المغرب

الصيد البحري.. لماذا لم يعد المغرب مستعجلاً وأصبحت إسبانيا في قلب المعادلة؟

يبدو أن ملف الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي دخل مرحلة مختلفة تماماً عن السابق. فبينما تتحرك المؤسسات الأوروبية من أجل استعادة المفاوضات، لا يظهر المغرب بالدرجة نفسها من الاستعجال، وهو ما يعكس تغيراً في ميزان المصالح داخل هذا الملف.

آخر بروتوكول للصيد انتهى في يوليوز 2023، ومنذ ذلك الوقت توقفت سفن الاتحاد الأوروبي عن الاستفادة من الاتفاق. وفي يناير 2026، حصل الاتحاد الأوروبي على تفويض لفتح مفاوضات جديدة مع المغرب، ما يؤكد أن بروكسل لا تزال تبحث عن صيغة لاستعادة التعاون في هذا المجال.

لكن المفارقة أن الطرف الأوروبي الأكثر ارتباطاً بهذا الاتفاق هو نفسه الطرف الذي يبدو أن كلفة غيابه أكبر عليه: إسبانيا.

فمن أصل 138 رخصة كانت متاحة لسفن الاتحاد الأوروبي بموجب البروتوكول السابق، كانت 92 رخصة مخصصة للسفن الإسبانية، أي ما يقارب ثلثي مجموع الرخص. وكانت الاستفادة مركزة خصوصاً في الأساطيل الأندلسية والكنارية والغاليثية.

وهذا يجعل مدريد في موقع مختلف عن بقية العواصم الأوروبية. فبالنسبة لإسبانيا، المسألة ليست مجرد اتفاق تجاري مع المغرب، وإنما ترتبط بمصالح مباشرة لقطاعات وموانئ وأقاليم ساحلية تعتمد منذ سنوات على الولوج إلى هذه المصايد.

لذلك فإن استمرار توقف الاتفاق لا يوزع الأضرار بالتساوي داخل الاتحاد الأوروبي. إسبانيا هي المتضرر الأكبر والأكثر مباشرة، وهو ما يفسر أهمية الملف بالنسبة إليها أكثر من العديد من الدول الأوروبية الأخرى.

لكن لماذا أصبح المغرب أقل استعجالاً؟

الجواب يكمن في تغير طبيعة العلاقة نفسها. فالمغرب لم يعد يتعامل مع الصيد البحري باعتباره مجرد مورد مالي أو امتياز يمنحه للأساطيل الأوروبية، بل أصبح الملف جزءاً من شبكة أوسع من المصالح الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.

كما أن المغرب يستطيع أن ينظر إلى أي اتفاق جديد من زاوية مختلفة: ليس كمجرد تجديد للاتفاق السابق، وإنما كفرصة لإعادة تحديد شروط التعاون، بما ينسجم مع مصالحه وموقفه من قضية الصحراء المغربية.

وهنا تظهر ورقة الصيد كأداة تفاوضية.

فالاتحاد الأوروبي يحتاج إلى اتفاق، لكن المغرب أيضاً يستطيع الاستغناء عن الاتفاق إذا لم يجد في الشروط الجديدة ما يخدم مصالحه. وهذه النقطة وحدها تغير طبيعة المفاوضات: من يملك القدرة على الانتظار، يملك جزءاً من القوة التفاوضية.

أما إسبانيا، فتجد نفسها في وضع أكثر حساسية. فهي من جهة تحتاج إلى الحفاظ على مصالح أسطولها، ومن جهة أخرى تتحرك داخل إطار السياسة الأوروبية المشتركة. ولذلك فإن أي مفاوضات جديدة لن تكون بالنسبة لمدريد مجرد نقاش حول كمية الأسماك أو عدد الرخص، وإنما ستكون مرتبطة أيضاً بعلاقة سياسية واقتصادية أوسع مع المغرب.

وفي المقابل، لا يعني ذلك أن المغرب لا يحتاج إلى أوروبا أو أن الاتفاق أصبح بلا قيمة بالنسبة إليه. فالسوق الأوروبية تظل مهمة، والتعاون الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي واسع جداً. لكن الفارق هو أن الصيد لم يعد بالضرورة ورقة تمنح أوروبا وحدها أفضلية التفاوض.

وهنا تكمن أهمية المرحلة الحالية.

إذا نجح المغرب في تحويل ملف الصيد من اتفاق يتجدد بشكل شبه دوري إلى اتفاق جديد بشروط مختلفة، فقد يكون أمام نموذج آخر للعلاقات: تعاون اقتصادي يقوم على المصالح المتبادلة، وليس على افتراض أن الطرف المغربي هو دائماً الأكثر استعجالاً للوصول إلى الاتفاق.

أما إذا بقي الاتحاد الأوروبي ينتظر، وبقيت الأساطيل الإسبانية خارج المياه المغربية، فإن الضغط سيتزايد خصوصاً على المناطق الإسبانية التي تستفيد مباشرة من هذه الرخص.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: متى سيعود المغرب إلى اتفاق الصيد مع أوروبا؟

بل: ما الذي سيطلبه المغرب مقابل العودة؟

وهنا بالضبط أصبحت إسبانيا في قلب المعادلة، لأنها صاحبة المصلحة الأكبر في إنهاء هذا الجمود، ولأن استمرار غياب الاتفاق يعني بالنسبة لأسطولها خسارة منفذ تاريخي إلى المصايد المغربية.

وبالتالي، قد تكون ورقة الصيد قد انتقلت بالفعل من كونها امتيازاً أوروبياً في المياه المغربية إلى كونها ورقة تفاوضية بيد المغرب؛ ورقة لا تُستخدم بالضرورة للضغط على أوروبا، وإنما لإعادة تعريف شروط الشراكة معها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى