المغرب

المحروقات نار في جيوب المغاربة وحزب اخنوش يريد خمس سنوات اخرى

لم يعد ملف المحروقات في المغرب مجرد نقاش حول سعر لتر البنزين او الغازوال، بل اصبح عنوانا لازمة اوسع ترتبط بالقدرة الشرائية وبالسياسات الاقتصادية التي تتحمل الحكومة مسؤولية الدفاع عنها وتفسير نتائجها. فحين يخرج الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز والعضو في الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ورئيس الجبهة الوطنية لانقاذ المصفاة المغربية للبترول «سامير»، ليؤكد ان كلفة البنزين في تقديره لا تتجاوز 7 دراهم بينما يباع بحوالي 15 درهما، فان هذا التصريح يفتح من جديد واحدا من اكثر الملفات حساسية واثارة للجدل في المغرب: اين تنتهي الكلفة الحقيقية للمحروقات واين تبدأ الارباح؟

قد تختلف التقديرات والحسابات، وقد ترد شركات المحروقات والحكومة على هذه الارقام بمعطيات اخرى، لكن الشيء الذي لا يحتاج الى حسابات معقدة هو ان المغاربة شعروا خلال السنوات الماضية بارتفاع كبير في كلفة المعيشة، وكانت المحروقات احدى اهم حلقات هذا الارتفاع، لانها لا تؤثر فقط على اصحاب السيارات، بل تمتد اثارها الى النقل والسلع والفلاحة والخدمات وكل ما يحتاج الى الوقود حتى يصل الى المواطن.

وهنا يصبح اسم عزيز اخنوش حاضرا بقوة في النقاش، ليس فقط لانه رئيس الحكومة، وانما ايضا بسبب ارتباطه السابق بقطاع المحروقات. لذلك فان ملف الاسعار بالنسبة الى خصومه السياسيين ليس ملفا اقتصاديا محضا، بل قضية تحمل حمولة سياسية كبيرة، خصوصا بعدما اصبح حزب التجمع الوطني للاحرار يقود الحكومة منذ سنة 2021.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا ارتفعت الاسعار؟ بل لماذا ظل المواطن عاجزا عن فهم الطريقة التي يتم بها تحديدها؟ عندما ترتفع اسعار النفط عالميا، يسمع المواطن سريعا ان السوق الدولية هي السبب، لكن عندما تنخفض الاسعار، لا يشعر دائما بانعكاس الانخفاض بالسرعة نفسها على سعر اللتر. وبين هذا الارتفاع وذاك الانخفاض تبقى الشفافية هي الحلقة الاضعف في هذا النقاش.

والاخطر ان المحروقات تحولت الى مصدر ضغط على القدرة الشرائية. فالسائق يؤدي ثمن الوقود، والفلاح يؤديه لنقل منتجاته وتشغيل معداته، والمهني يؤديه للوصول الى عمله، والتاجر يدخله في كلفة نقل السلع، وفي النهاية يدفع المواطن هذه الزيادة مرة اخرى عندما يشتري حاجياته. ولذلك فان ارتفاع سعر المحروقات لا يبقى في محطة البنزين، بل ينتشر في الاقتصاد مثل موجة تصل الى الجميع.

ومن هنا تكتسب قضية مصفاة «سامير» اهمية خاصة. فبالنسبة الى المدافعين عن اعادة تشغيلها، لا يتعلق الامر فقط باعادة مصنع الى العمل، وانما بامتلاك المغرب قدرة اكبر على التخزين والتكرير والتدخل في سوق المحروقات، بدل الاعتماد الكامل على الاستيراد. وفي المقابل، تبقى اعادة تشغيل المصفاة ملفا معقدا يرتبط بالديون والوضعية القانونية والاستثمار، ولا يمكن اختزاله في شعار سياسي واحد.

لكن المواطن لا ينتظر كل هذه التفاصيل التقنية حتى يشعر بالازمة. هو يريد ان يعرف لماذا يدفع هذا السعر، ومن يستفيد منه، وماذا تفعل الدولة لحماية قدرته الشرائية. واذا كانت الارقام التي يقدمها اليماني غير صحيحة، فان الرد الاقوى ليس التصريحات السياسية، وانما نشر حساب واضح ومفصل امام المغاربة يشرح سعر النفط، وكلفة النقل والتخزين، والضرائب، وهوامش التوزيع، وهوامش الشركات.

وفي الوقت الذي يستعد فيه حزب التجمع الوطني للاحرار للدفاع عن حصيلته والسعي الى ولاية حكومية جديدة، فان عليه ان يواجه ايضا حصيلة الاسعار والقدرة الشرائية، لا ان يكتفي بحصيلة المشاريع والبرامج. فالمواطن لا يقيس الحكومة فقط بعدد المشاريع التي دشنت، وانما يقيسها ايضا بما بقي في جيبه بعد اداء الايجار والكهرباء والنقل والغذاء والوقود.

ولهذا فان الحديث عن رغبة حزب اخنوش في خمس سنوات اخرى يطرح سؤالا سياسيا حادا: هل يحتاج المغاربة الى استمرار السياسات نفسها، ام انهم يريدون تغييرا في طريقة تدبير الاقتصاد والقدرة الشرائية؟ فمنتقدو الحزب يرون ان سنوات ولايته الحكومية كانت قاسية على قطاعات واسعة من المجتمع، وان استمرار النهج نفسه لولاية ثانية قد يعني، بالنسبة اليهم، تلقي المغاربة «الضربة القاضية» اقتصاديا واجتماعيا.

لكن الحكم النهائي لا ينبغي ان يكون بالشعارات، لا مع الحكومة ولا ضدها. المطلوب هو الحساب: ماذا وعدت الحكومة؟ ماذا انجزت؟ ماذا حدث للاسعار؟ ماذا حدث للاجور؟ ماذا حدث للبطالة؟ ومن استفاد من السياسات الاقتصادية؟ ومن تحمل كلفتها؟

فالمحروقات في النهاية ليست مجرد بنزين وغازوال. انها مرآة للسياسة الاقتصادية كلها. واذا كان المواطن يشعر انه يدفع اكثر مما ينبغي، فان الدولة مطالبة بتقديم جواب مقنع وشفاف.

اما ان يطلب حزب سياسي من المغاربة خمس سنوات اضافية، بينما لا يزال ملف المحروقات يثير كل هذا الغضب والجدل، فالمسالة لن تحسم بالخطب الانتخابية، وانما بالسؤال الذي سيبقى يطارد الحكومة حتى موعد الاقتراع: بعد خمس سنوات من الحكم، هل اصبح المغرب ارخص على المواطن ام اصبح المواطن هو من يدفع ثمن كل شيء؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى