المغرب

الاستثمار والتشغيل.. هل تكفي كثرة المصانع إذا ظلت الأجور لا تواكب كلفة العيش؟

شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة توسعا ملحوظا في استقطاب الاستثمارات الصناعية، حيث تم إحداث مناطق صناعية جديدة واستقطاب شركات دولية في قطاعات متنوعة، من صناعة السيارات والطيران إلى النسيج والصناعات الغذائية والإلكترونية. وقد ساهم هذا التوجه في خلق آلاف فرص الشغل وتعزيز الصادرات، إلا أن ذلك فتح في المقابل نقاشا متزايدا حول جودة هذه الوظائف ومدى قدرتها على توفير عيش كريم للأجراء.

فبالنسبة للعديد من الباحثين عن العمل، لم يعد الحصول على وظيفة هو التحدي الوحيد، بل أصبح السؤال الأهم يتعلق بمستوى الأجر، وظروف العمل، وقدرة الراتب الشهري على تغطية تكاليف الحياة التي تعرف ارتفاعا مستمرا.

وتشير تجارب عدد من العمال إلى أن جزءا من الصناعات التي تعتمد على كثافة اليد العاملة تستفيد من انخفاض تكلفة الأجور مقارنة بدول أخرى، وهو ما يجعل المغرب وجهة جاذبة للاستثمار. غير أن هذا النموذج يثير في المقابل نقاشا حول ضرورة الانتقال تدريجيا نحو استثمارات تقوم على الإنتاجية العالية، والقيمة المضافة، وتحسين دخل العامل، بدل الاكتفاء بالاعتماد على اليد العاملة منخفضة التكلفة كعامل رئيسي لجذب المستثمرين.

ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن نجاح أي استثمار لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المصانع التي يتم افتتاحها أو بعدد فرص الشغل التي يتم الإعلان عنها، وإنما أيضا بنوعية تلك الوظائف، ومدى احترامها للحقوق الاجتماعية، وتوفيرها للاستقرار المهني، وإمكانية تطور المسار المهني للعامل داخل المؤسسة.

كما أن الحفاظ على تنافسية الاقتصاد لا يتعارض مع تحسين أوضاع الأجراء، بل إن العديد من التجارب الدولية أثبتت أن الاستثمار في العنصر البشري، ورفع الإنتاجية، والتكوين المستمر، وتحسين ظروف العمل، عوامل تساهم في تعزيز تنافسية المقاولة على المدى الطويل.

وفي ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة، أصبح تحسين الأجور وربطها بتطور الأسعار أحد المواضيع المطروحة بقوة داخل النقاش الاقتصادي والاجتماعي، لأن التنمية الصناعية تحقق أهدافها بشكل أكبر عندما تنعكس آثارها على مستوى معيشة الأسر، وتساهم في توسيع الطبقة المتوسطة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.

ويجمع عدد من الخبراء على أن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من منطق خلق فرص الشغل فقط إلى منطق خلق فرص شغل لائقة، توفر دخلا يتناسب مع متطلبات الحياة، وتحترم معايير العمل اللائق، وتمنح العامل إحساسا بالأمان والاستقرار.

فالمصانع تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، لكن نجاحها الحقيقي لا يقاس بحجم الإنتاج والصادرات وحدهما، بل أيضا بقدرتها على خلق قيمة مضافة يستفيد منها الجميع، سواء المستثمر أو الاقتصاد الوطني أو العامل الذي يشكل المحرك الأساسي لعجلة الإنتاج.:::

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى