من حزب المرجعية إلى حزب التدبير: لماذا سقط العدالة والتنمية، وهل يمكنه العودة في ظل حكومة الغلاء؟

لم يكن تراجع حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2021 مجرد لحظة انتخابية عابرة، بل نتيجة مسار طويل من التحول الداخلي الذي غير طبيعة الحزب من تنظيم يحمل مشروعًا إيديولوجيًا واضحًا إلى حزب يشتغل بمنطق التدبير اليومي داخل منظومة سياسية معقدة. هذا التحول لم يكن شكليًا، بل مسّ جوهر الهوية السياسية التي صنعت صعود الحزب سنة 2011، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى أحد مكونات السلطة التنفيذية بدل أن يبقى حاملًا لخطاب التغيير.
في بداياته، استفاد الحزب من قوة “المرجعية” التي تمنحه تمايزًا واضحًا في المشهد الحزبي: خطاب أخلاقي، ووعود بمحاربة الفساد، وإحساس عام بأنه يمثل بديلًا سياسيًا عن النخب التقليدية. لكن مع دخوله تجربة الحكم، بدأت هذه المرجعية تتآكل تدريجيًا تحت ضغط الواقع الحكومي. فبدل أن يواصل بناء مشروعه السياسي، وجد نفسه مضطرًا إلى التكيف مع توازنات الدولة، واتخاذ قرارات صعبة، والدخول في منطق التسويات السياسية. وهكذا انتقل من حزب يطرح الأسئلة الكبرى إلى حزب يجيب عن أسئلة اليومي: الأسعار، الميزانية، التوازنات الاجتماعية، وإدارة الأزمات.
هذا التحول من “الإيديولوجيا إلى التدبير” لم يكن بلا ثمن. فكلما تعمق الحزب في منطق التسيير، كلما ابتعد عن صورته الأصلية في ذهن ناخبيه. ومع مرور السنوات، بدأت الفجوة تتسع بين الخطاب الأولي والواقع الحكومي، خصوصًا في ملفات حساسة مثل التشغيل، التعليم، والصحة. ومع كل تنازل براغماتي، كان جزء من الرأسمال الرمزي للحزب يتآكل، حتى أصبح في نظر جزء من المواطنين حزبًا منخرطًا في السلطة لا يختلف كثيرًا عن باقي الفاعلين.
ثم جاءت لحظة 2021 لتكشف حجم هذا التحول بشكل صادم. فقد وجد الحزب نفسه في مواجهة نتائج انتخابية قاسية، لم تعكس فقط أداءه الانتخابي، بل عكست أيضًا فقدانه لجزء كبير من قاعدته التقليدية. وفي المقابل، برزت أحزاب مثل التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة كقوى رئيسية في تدبير الحكومة، مستفيدة من تحالفات قوية، وقدرات تنظيمية ومالية واسعة، وحضور محلي كثيف عبر المنتخبين والفاعلين الترابيين.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يمكن للحزب أن ينهض مجددًا في ظل موجة الغلاء والسخط الاجتماعي التي تلت تشكيل الحكومة الحالية؟ نظريًا، يمكن ذلك، لأن ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية عادة ما يخلق بيئة سياسية مناسبة للمعارضة. غير أن هذا الإمكان يصطدم بعدة حدود. أولها أن السخط الاجتماعي في المغرب لا يتجه تلقائيًا نحو حزب واحد، بل يتوزع بين العزوف والاحتجاجات المتفرقة والتصويت العقابي المتشتت. وثانيها أن الحزب، بعد تجربة الحكم الطويلة، لم يعد يحتكر صورة “المعارض البديل”، بل أصبح جزءًا من ذاكرة التدبير السابق، وبالتالي يُحاسَب على حصيلته أيضًا. وثالثها أن قدرته التنظيمية تراجعت مقارنة بفترة صعوده، ما جعله أقل قدرة على تحويل الغضب الاجتماعي إلى أصوات انتخابية منظمة.
في المقابل، لا يمكن فهم استمرار هيمنة الثلاثي الحاكم اليوم دون الإشارة إلى نقاط قوته. فـ حزب التجمع الوطني للأحرار يتميز بقدرة مالية وتنظيمية كبيرة، وحضور قوي داخل المؤسسات المحلية والجهوية، إضافة إلى شبكة واسعة من المنتخبين والفاعلين الترابيين. أما حزب الاستقلال فيستفيد من امتداد تاريخي عميق وشبكة تنظيمية راسخة وقدرة على التكيف مع مختلف التحالفات السياسية. في حين أن حزب الأصالة والمعاصرة يعتمد على حضور قوي في العالم القروي والحواضر الصاعدة،وعلاقاته المتشعبة إضافة إلى تنظيم محلي فعال وتحالفات سياسية مرنة.
هذه القوى مجتمعة لا تعتمد فقط على الخطاب السياسي، بل على ما يمكن تسميته بـ”الآلة الانتخابية”، أي القدرة على التأثير الميداني في يوم الاقتراع، وهو عنصر حاسم في نظام انتخابي يقوم على الدوائر والتوازنات المحلية.
في النهاية، يمكن القول إن سقوط العدالة والتنمية لم يكن مجرد نتيجة لحكومة سابقة أو انتخابات معينة، بل نتيجة تحول عميق في هويته السياسية. فالأحزاب التي تبني قوتها على مشروع إيديولوجي واضح، عندما تتحول إلى مجرد أجهزة تدبير داخل الدولة، تفقد تدريجيًا قدرتها على التميّز. ومع ذلك، فإن السخط الاجتماعي الحالي لا يعني تلقائيًا عودة هذا الحزب أو أي حزب آخر، بقدر ما يكشف عن أزمة أعمق: فجوة متزايدة بين المجتمع والسياسة الحزبية، حيث الغضب موجود، لكن القناة التي تحوله إلى قوة سياسية ما تزال غير مستقرة.




