
في المغرب، كلما اشتدت الأزمات الاجتماعية، وارتفعت الأسعار، وتعمقت الفوارق، وازدادت معاناة الناس مع الصحة والتعليم والشغل، خرج علينا بعض “خبراء التنوير التلفزيوني” ليشرحوا لنا بثقة عجيبة أن سبب كل هذا هو “المرجعية الإسلامية” و”العقل المحافظ” و”تمسك المجتمع بهويته الدينية”.
وكأن المواطن المغربي لا يعاني من الاحتكار والفساد وتضارب المصالح، بل يعاني لأن جدته ما زالت تقول “بسم الله” قبل الأكل.
هذا الخطاب يتكرر بكثافة في السنوات الأخيرة، ليس لأنه يحمل حلولاً حقيقية، بل لأنه أسهل طريقة للهروب من النقاش الحقيقي.
فعندما تفشل النخب في:
بناء مدرسة محترمة،
ومستشفى يحفظ الكرامة،
واقتصاد يوفر فرص الشغل،
وعدالة اجتماعية تقلص الفوارق،
فإنها تبدأ الحرب على هوية المجتمع، لأن مهاجمة الثقافة أسهل بكثير من مواجهة لوبيات الفساد والريع والاحتكار.
لكن المشكلة أن الواقع العالمي صار يفضح هذا الخطاب أكثر فأكثر.
خذ تركيا مثلاً.
بلد كان قبل عقود يعيش:
أزمات اقتصادية خانقة،
تضخماً مرعباً،
انقلابات عسكرية متكررة،
تبعية مالية للخارج،
وصراعاً دائماً بين الدولة والمجتمع.
ثم جاءت تجربة سياسية ذات مرجعية إسلامية محافظة، قد نختلف معها أو ننتقد بعض سياساتها، لكنها استطاعت أن تنقل تركيا من دولة متعبة إلى قوة إقليمية يحسب لها الجميع الحساب.
اليوم، تركيا:
تصنع الطائرات المسيّرة،
تصدر الصناعات العسكرية،
تمتلك بنية تحتية حديثة،
تبني المطارات والجسور العملاقة،
تستقطب ملايين السياح،
وتحولت إلى لاعب اقتصادي وجيوسياسي مؤثر.
والأهم أنها لم تفعل ذلك عبر إعلان الحرب على هوية شعبها، بل بالعكس، عبر المصالحة مع العمق الثقافي والديني للمجتمع التركي.
حتى في التفاصيل اليومية، يظهر الفرق بين دولة تعتبر المواطن عبئاً، ودولة تعتبره جزءاً من الشرعية السياسية.
فبمناسبة العيد، يتم اتخاذ قرارات لتخفيف الأعباء عن الناس:
مجانية بعض وسائل النقل،
إعفاء الطرق السيارة العمومية من الرسوم،
تسهيلات واسعة لتنقل الأسر بين المدن.
والفكرة هنا ليست مجرد مجانية النقل، بل الفلسفة التي وراء القرار: الدولة موجودة لخدمة المجتمع، لا لتحويل كل حركة يقوم بها المواطن إلى فاتورة أداء.
أما عندنا، فالمواطن يشعر أحياناً أنه يؤدي الضرائب حتى على حقه في التنفس.
يدفع:
في النقل،
وفي الصحة،
وفي التعليم،
وفي الوثائق الإدارية،
وفي الطرق،
وفي المعيشة اليومية،
ثم يسمع بعد ذلك خطابات طويلة عن “الدولة الاجتماعية” و”النموذج التنموي”.
والأغرب أن بعض الأصوات التي تسخر من المرجعية الإسلامية لا تقدم بديلاً اقتصادياً أو اجتماعياً حقيقياً، بل تركز فقط على مهاجمة التدين الشعبي والرموز الثقافية للمجتمع.
يتحدثون عن الحريات وكأن الفقير الذي لا يجد ثمن الدواء مشكلته الأساسية هي عدد الوعاظ في التلفزيون.
ويتصرفون أحياناً وكأن بناء الحداثة يمر عبر احتقار لغة الناس وقيمهم وعاداتهم.
لكن الأمم لا تتقدم بإهانة ذاكرتها الجماعية.
تركيا لم تصبح قوية لأنها تخلت عن هويتها، بل لأنها فهمت أن التنمية ليست حرباً ضد الدين، بل حرب ضد:
الفساد،
التبعية،
التخلف الإداري،
والهيمنة الاقتصادية الأجنبية.
أما عندنا، فبعض النخب تريد إقناع المغاربة بأن سبب انهيار التعليم هو صلاة التراويح، وأن سبب البطالة هو الحجاب، وأن سبب الغلاء هو وجود المرجعية الإسلامية في الخطاب السياسي.
هذا تبسيط مضحك ومخجل في الوقت نفسه.
لأن الحقيقة الواضحة هي أن أكبر الأزمات التي يعيشها المواطن اليوم مرتبطة أساساً بـ:
الاحتكار،
تضارب المصالح،
غياب المحاسبة،
تركيز الثروة،
وضعف العدالة الاجتماعية.
فهل الذي يرفع الأسعار هو المواطن المحافظ؟
وهل الذي يهرب الأموال للخارج يفعل ذلك بسبب المرجعية الإسلامية؟
وهل الذي يستفيد من الامتيازات والصفقات والاحتكار يفعل ذلك لأنه متدين؟
المشكلة ليست في المرجعية، بل في غياب الإرادة السياسية الحقيقية لبناء دولة عادلة.
والتجربة التركية، رغم كل ملاحظاتنا عليها، تظل صفعة فكرية لأولئك الذين يختزلون التنمية في التغريب الثقافي، ويظنون أن تقليد الغرب في المظاهر أهم من بناء اقتصاد قوي ومؤسسات فعالة.
لقد أثبتت تركيا أن بإمكان دولة ذات مرجعية إسلامية أن:
تبني الصناعة،
وتقوي الجيش،
وتطور البنية التحتية،
وتدافع عن مصالحها،
وتخدم مواطنيها، دون أن تدخل في حرب مع هوية شعبها.
أما نحن، فما زلنا نضيع الوقت في نقاشات عقيمة حول ما إذا كان التدين الشعبي عقبة أمام التنمية، بينما المواطن يبحث فقط عن:
شغل،
ومستشفى،
ومدرسة محترمة،
وكرامة لا تُهان كل يوم عند أبواب الإدارات والمصحات والأسواق.
فالناس لا يريدون صراعاً أيديولوجياً فارغاً، بل يريدون دولة تشعر بهم.
وهنا بالضبط، تنتصر التجارب الناجحة… لا بالخطب، بل بما تتركه في حياة الناس اليومية.



