من يدافع عن العامل غير المنظم؟ سؤال يفضح هشاشة سوق الشغل

إذا كانت النقابات تُقدم نفسها كصوتٍ للعمال في مواجهة أرباب العمل والدفاع عن الأجور والحقوق، فإن الواقع يكشف مفارقة صادمة: شريحة واسعة من العمال خارج هذه المعادلة تماماً، لا صوت لها ولا تمثيلية، رغم أنها تشكل جزءاً أساسياً من سوق الشغل.
إن الحديث عن النقابات غالباً ما يرتبط بقطاعات منظمة نسبياً، حيث التمثيل النقابي قائم والحد الأدنى من الحماية متوفر. لكن في المقابل، هناك فئة واسعة تشتغل في الظل: عمال البناء، الفلاحة الموسمية، المقاهي، الورشات الصغيرة، والخدمات غير المهيكلة. هؤلاء لا ينتمون لنقابة، ولا يستفيدون من قوة تفاوض جماعية، ولا يجدون من يتحدث باسمهم عند الأزمات أو الانتهاكات.
هنا يطرح السؤال الجوهري: من يمثل هؤلاء؟ ومن يدافع عن حقوقهم في غياب تنظيم حقيقي؟
الجواب، في الواقع، يبدو غامضاً ومربكاً. فالدولة تضع الإطار القانوني العام، لكن تطبيقه يظل متفاوتاً ويصطدم في كثير من الأحيان بطبيعة الاقتصاد غير المهيكل. والنقابات، من جهتها، تظل محدودة التأثير خارج القطاعات المنظمة، ما يجعل جزءاً كبيراً من الطبقة العاملة يعيش خارج أي حماية فعلية.
الأخطر من ذلك أن هذه الفئة تتحمل العبء الأكبر من التحولات الاقتصادية: ارتفاع الأسعار، هشاشة الدخل، غياب الاستقرار المهني، دون أن تمتلك أي أدوات للتفاوض أو الاعتراض. فهي تعمل في صمت، وتعيش في صمت، وغالباً ما تُنسى في النقاشات العمومية حول “الإصلاحات الاجتماعية” و”تحسين مناخ الشغل”.
إن استمرار هذا الوضع لا يعكس فقط خللاً اجتماعياً، بل يكشف أيضاً حدود النموذج الحالي في تنظيم سوق الشغل، حيث تتسع الفجوة بين من يملكون تمثيلية ومن لا صوت لهم. وهي فجوة لا يمكن تجاوزها بالشعارات، بل بسياسات تدمج هذه الفئات داخل منظومة الحماية الاجتماعية والتنظيم المهني.
في النهاية، يظل العامل غير المنظم هو الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج، لكنه في الوقت نفسه الحلقة الأكثر حضوراً في الواقع الاقتصادي اليومي. وبدون إدماجه في أي إطار تمثيلي أو قانوني، ستبقى “العدالة الاجتماعية” مجرد شعار جميل لا يجد طريقه إلى الأرض.
إن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يدافع عنه اليوم؟
بل: إلى متى سيبقى خارج دائرة الدفاع أصلاً؟




