“كلشي زوين”.. حتى القطارات ولات عندها شعبية كوريا الشمالية!

يبدو أن العد العكسي لنهاية الولاية الحكومية لم يرافقه فقط ارتفاع في الأسعار والأزمات الاجتماعية، بل أيضاً انفجار غير مسبوق في “الأرقام السعيدة” والتصريحات التي تجعل المغرب يبدو وكأنه يعيش في نسخة محلية من المدن الفاضلة. آخر هذه الخرجات جاءت على لسان وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح، الذي أعلن بكل ثقة أن 80 في المئة من المغاربة راضون عن خدمات القطار، وأن نسبة احترام المواعيد تجاوزت 87 في المئة.
تصريح لو سمعه المواطن المغربي العالق في محطة قطار لساعات، أو الذي يؤدي ثمن تذكرة يقترب أحياناً من ثمن رحلة جوية منخفضة التكلفة، لاعتقد أنه يعيش في بلد آخر غير الذي تصفه الحكومة. لأن المغاربة الذين يستعملون القطارات يومياً لا يحتاجون إلى “استطلاعات رأي” حتى يعرفوا حقيقة الوضع؛ يكفيهم أن يسألوا جيوبهم، أو يتذكروا ساعات الانتظار، أو يتأملوا الاكتظاظ الخانق داخل بعض العربات، حتى يدركوا أن لغة الأرقام الرسمية أصبحت منفصلة تماماً عن واقع المواطنين.
المشكلة ليست فقط في الرقم، بل في التوقيت أيضاً. فكلما اقتربت الانتخابات أو نهاية الولاية الحكومية، تتحول بعض القطاعات فجأة إلى قصص نجاح خارقة: البطالة تصبح “فرصاً”، الغلاء يتحول إلى “تحسن في القدرة الشرائية”، والقطارات التي يشتكي منها المواطن يومياً تصبح نموذجاً عالمياً للرضا والانضباط.
الأكثر إثارة للسخرية أن الحكومة تتحدث عن “الرضا” وكأن المغاربة يعيشون رفاهية الاختيار بين قطارات اليابان وقطارات المغرب. المواطن في كثير من الأحيان يستعمل القطار لأنه لا يملك بديلاً، لا لأنه يعيش قصة حب مع المحطات والمقاعد والازدحام. فحين يغيب النقل العمومي المحترم في عدة مناطق، يصبح القطار خياراً اضطرارياً، لا استفتاءً شعبياً على جودة الخدمات.
ثم من هم هؤلاء الـ80 في المئة؟ وأين أجريت هذه الاستطلاعات؟ وهل شملت فعلاً الطلبة والعمال والموظفين الذين يتنقلون يومياً في ساعات الذروة؟ أم أنها مثل استطلاعات “كل المغاربة فرحانين” التي لا تظهر إلا في البلاغات الرسمية؟
المفارقة أن المواطن المغربي أصبح يسمع أرقاماً وردية في كل القطاعات بينما حياته اليومية تسير في الاتجاه المعاكس. في السوق يسمع عن “وفرة الأضاحي” ثم لا يجد الحولي، وفي التشغيل يسمع عن “فرص واعدة” بينما البطالة تتوسع، وفي النقل يسمع عن “رضا واسع” بينما التأخر والاكتظاظ والأسعار المرتفعة أصبحت جزءاً من الرحلة.
لقد دخل الخطاب الحكومي مرحلة جديدة يمكن تسميتها بـ”سياسة التجميل بالأرقام”، حيث لم يعد المطلوب حل المشاكل بقدر ما أصبح المطلوب إنتاج نسب مئوية تمنح الانطباع بأن كل شيء تحت السيطرة. لكن المشكلة أن المواطن لا يعيش داخل الإحصائيات، بل داخل الواقع، والواقع لا يمكن ترقيعه بالبلاغات.
المغاربة اليوم لا يريدون خطابات انتصار، بل يريدون خدمات تحترم كرامتهم، وأسعاراً معقولة، وقطارات تصل في وقتها دون الحاجة إلى حمل تطبيق للطقس لمعرفة هل سيصل القطار أم لا. أما تحويل المعاناة اليومية إلى مادة للدعاية السياسية، فهو أمر يزيد من فقدان الثقة أكثر مما يصنع “الرضا” الذي تتحدث عنه الحكومة.




