إسبانيا توسع الحق في العلاج للمهاجرين غير النظاميين

اتخذت الحكومة الإسبانية خطوة لافتة في سياستها الاجتماعية بعد مصادقة مجلس الوزراء على مرسوم جديد يتيح للأجانب المقيمين في إسبانيا دون وضع قانوني نظامي الاستفادة من خدمات النظام الصحي العمومي. ويأتي هذا القرار في إطار توجه يهدف إلى توحيد معايير الولوج إلى العلاج داخل مختلف الأقاليم الإسبانية، وضمان الحد الأدنى من الرعاية الصحية لكل شخص يعيش داخل التراب الإسباني، بغض النظر عن وضعيته الإدارية.
وبموجب هذا المرسوم، أصبح بإمكان المهاجرين غير النظاميين الحصول على الرعاية الصحية عبر تقديم تصريح مسؤول يؤكد أنهم لا يتوفرون على أي تغطية صحية أخرى. كما يمكنهم إثبات الإقامة داخل إسبانيا بوسائل متعددة، مثل التسجيل في السجل البلدي للسكان، أو تقديم وثائق أخرى كفواتير الخدمات أو شهادات التمدرس أو تقارير صادرة عن المصالح الاجتماعية. ويكفي تقديم الطلب للحصول على وثيقة مؤقتة تتيح الاستفادة الفورية من العلاج، على أن يتم البت النهائي في الملف في أجل لا يتجاوز ثلاثة أشهر، مع اعتماد مبدأ الصمت الإداري الإيجابي الذي يعتبر الطلب مقبولا تلقائيا في حال عدم صدور قرار خلال هذه المدة.
وترى الحكومة الإسبانية أن هذا الإجراء سيضع حدا للفوضى التي كانت سائدة في معايير الولوج إلى العلاج بين مختلف الجهات، حيث كانت بعض الأقاليم تعتمد إجراءات أكثر تشددا من غيرها، ما كان يخلق تفاوتا في التعامل مع المهاجرين غير النظاميين. كما أكدت وزيرة الصحة الإسبانية مونيكا غارسيا أن الهدف من هذا القرار هو منع الحالات التي كان يتلقى فيها المرضى العلاج ثم يفاجؤون لاحقا بفواتير طبية بسبب غياب وضع قانوني واضح.
المرسوم الجديد يتضمن أيضا بعدا إنسانيا واضحا، إذ يضمن الرعاية الصحية الفورية لبعض الفئات الهشة بغض النظر عن وضعها الإداري، مثل القاصرين والنساء الحوامل وضحايا العنف أو الاستغلال، إضافة إلى طالبي اللجوء وعديمي الجنسية. كما يسمح للنساء الأجنبيات غير المقيمات بالاستفادة من خدمات الإجهاض القانوني داخل النظام الصحي الإسباني، في إطار المقاربة الحقوقية التي تعتمدها إسبانيا في تدبير قطاع الصحة العمومية.
غير أن هذا القرار يفتح في الوقت ذاته باب المقارنة مع أوضاع الولوج إلى الخدمات الصحية في دول أخرى، وعلى رأسها المغرب، الذي يواجه تحديات كبيرة في هذا المجال رغم الإصلاحات التي شهدها نظام الحماية الاجتماعية في السنوات الأخيرة. فالمغرب أطلق مشاريع مهمة مثل تعميم التغطية الصحية الإجبارية وإصلاح منظومة المساعدة الطبية، بهدف توسيع دائرة المستفيدين من الخدمات الصحية وتقليص الفوارق الاجتماعية في العلاج. غير أن الواقع العملي ما يزال يكشف عن صعوبات متعددة تتعلق بضعف البنية التحتية الصحية في بعض المناطق، والاكتظاظ في المستشفيات العمومية، إضافة إلى النقص في الموارد البشرية والتجهيزات الطبية.
كما أن الولوج إلى العلاج في المغرب ما يزال مرتبطا إلى حد كبير بالوضعية الإدارية والقدرة على الاستفادة من أنظمة التغطية الصحية، وهو ما يجعل بعض الفئات الهشة تواجه عراقيل في الحصول على الرعاية الطبية بشكل سلس، خاصة في المناطق القروية أو الأحياء الهامشية. ورغم وجود مبادرات إنسانية وبرامج اجتماعية متعددة، فإن تحقيق مبدأ المساواة الفعلية في الولوج إلى الخدمات الصحية يظل تحديا قائما أمام السياسات العمومية.
في المقابل، يعكس القرار الإسباني فلسفة اجتماعية تقوم على اعتبار الصحة حقا أساسيا لكل من يعيش داخل المجتمع، وليس امتيازا مرتبطا فقط بالوضعية القانونية أو الإدارية. فالحكومة الإسبانية ترى أن ضمان العلاج للجميع يساهم في حماية الصحة العامة ومراقبة انتشار الأمراض بشكل أفضل، إضافة إلى تجنب تفاقم الحالات المرضية التي قد تصبح أكثر كلفة على النظام الصحي في المستقبل.
وهكذا تكشف المقارنة بين التجربتين عن اختلاف في المقاربات، حيث تعتمد إسبانيا على نموذج اجتماعي يوسع دائرة الاستفادة من الخدمات الصحية ليشمل حتى المهاجرين غير النظاميين، بينما ما يزال المغرب في مرحلة بناء منظومة صحية أكثر شمولية، تسعى إلى تحقيق التوازن بين الإمكانات المتاحة ومتطلبات العدالة الاجتماعية في الولوج إلى العلاج. وفي الحالتين، يبقى الحق في الصحة أحد أبرز التحديات التي تواجه الدول في عصر تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، ويصبح فيه ضمان الرعاية الصحية معيارا أساسيا لقياس فعالية السياسات العمومية.




