من استعادة الثقة إلى إصلاح التعليم والجهوية.. ماذا وعدت حكومة المنصوري المغاربة وهل تفي بالتزاماتها؟

تدخل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري ولايتها الممتدة بين 2026 و2031 ببرنامج يضع عددا من الملفات السياسية والمؤسساتية والاجتماعية في صلب أولوياته، من استعادة الثقة في المؤسسات وتعزيز المشاركة المواطنة، إلى مكافحة الفساد وتضارب المصالح، مرورا بتوسيع فرص المقاولات الصغرى والمتوسطة في الصفقات العمومية، وتقوية التمويل الموجه إلى الجهات، وإعادة الاعتبار للاتمركز الإداري، وصولا إلى إصلاح التعليم والحد من الانقطاع المدرسي. وهي التزامات ترسم صورة واسعة لما تريد الحكومة تحقيقه خلال خمس سنوات، لكنها تضعها في الوقت نفسه أمام مسؤولية تحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس.
وتكتسي هذه الوعود أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المرحلة التي تأتي فيها الحكومة الجديدة، حيث لم تعد انتظارات المواطنين مقتصرة على الإعلان عن برامج ومخططات، بل أصبحت مرتبطة بمدى انعكاس القرارات العمومية على حياتهم اليومية، وبقدرة المؤسسات على الاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية، وتوفير شروط الإنصاف وتكافؤ الفرص. ومن هنا، فإن البرنامج الحكومي لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مجرد وثيقة لتحديد الأولويات، وإنما بوصفه تعاقدا سياسيا ومؤسساتيا ستكون حصيلته موضع متابعة وتقييم على امتداد الولاية.
في مقدمة هذه الالتزامات، تبرز استعادة الثقة في المؤسسات باعتبارها مدخلا أساسيا لإنجاح بقية الأوراش. فالثقة لا تتحقق بالخطاب وحده، وإنما تتأسس من خلال وضوح القرارات، واحترام القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتيسير ولوج المواطنين إلى الخدمات، وتعزيز الإحساس بأن المؤسسات تعمل وفق قواعد منصفة وتسري على الجميع. كما أن استعادة هذه الثقة تقتضي إتاحة المجال أمام المواطنين للمشاركة في النقاش العمومي، والتفاعل مع السياسات الحكومية، وتقديم المقترحات بشأن القضايا التي تمس مصالحهم.
ويرتبط هذا التوجه كذلك بتعهد الحكومة بتعزيز دور البرلمان وتوسيع المشاركة المواطنة. فالبرلمان، باعتباره مؤسسة للتشريع ومراقبة العمل الحكومي، يشكل أحد الفضاءات الأساسية لتقييم السياسات العمومية ومساءلة المسؤولين عن تنفيذها. أما توسيع المشاركة المواطنة، فيمكن أن يمنح القرارات العمومية بعدا تشاركيا أوسع، شريطة أن تتجاوز هذه المشاركة حدود الاستشارة الشكلية إلى آليات واضحة تسمح بتلقي المقترحات ومناقشتها وتتبع ما يتم اعتماده منها. وستكون فعالية هذه الالتزامات مرتبطة بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على جعل النقاش العمومي أكثر ارتباطا بقضايا المواطنين وانتظاراتهم.
وفي ملف الحكامة ومحاربة الفساد، يرفع البرنامج سقف الانتظارات من خلال التعهد بتعزيز آليات النزاهة، ومحاربة تضارب المصالح والاحتكار والوساطة غير المشروعة، إلى جانب التوجه نحو تجريم الإثراء غير المشروع وفق الإطار القانوني الذي سيعتمد في هذا المجال. وتكتسي هذه الملفات أهمية بالغة لأنها تمس مبدأ تكافؤ الفرص، وتؤثر في مناخ الاستثمار، وفي ثقة المواطنين في الإدارة والمؤسسات. غير أن نجاح هذه المقاربة يظل مرتبطا بوضوح المقتضيات القانونية، وضمان التطبيق العادل للقانون، وتوفير آليات فعالة للرقابة والتحقيق والمحاسبة، مع احترام قرينة البراءة والضمانات القانونية.
كما أن محاربة تضارب المصالح لا تقتصر على وضع قواعد قانونية، بل تتطلب أيضا تعزيز الشفافية في تدبير المال العام، وتوضيح حالات التنافي، وضبط العلاقة بين المسؤولية العمومية والمصالح الخاصة. أما مواجهة الاحتكار والوساطة، فتستدعي تقوية المنافسة وتكريس قواعد الولوج العادل إلى الفرص الاقتصادية والإدارية. وإذا نجحت الحكومة في جعل هذه الالتزامات جزءا من الممارسة اليومية للمؤسسات، فإن أثرها لن يقتصر على تحسين صورة الإدارة، بل سيمتد إلى دعم الثقة في الاقتصاد وتعزيز شعور المواطنين بالإنصاف.
ومن بين الوعود ذات البعد الاقتصادي والمؤسساتي، يبرز تخصيص 30 في المائة من الصفقات العمومية لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة. ويحمل هذا التوجه إمكانية توسيع قاعدة المستفيدين من الطلب العمومي، ومنح المقاولات الوطنية الأصغر حجما فرصا أكبر للمشاركة في المشاريع التي تمولها الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية. كما يمكن أن يساهم في تحريك الدورة الاقتصادية المحلية، وخلق فرص للشغل، وتشجيع المبادرة المقاولاتية، خصوصا في المجالات التي تحتاج إلى دعم النسيج الاقتصادي المحلي.
لكن الأثر المنتظر من هذا الالتزام سيظل مرتبطا بكيفية تنزيله، وبمدى تبسيط شروط المشاركة في الصفقات، وضمان شفافية طلبات العروض، وتسريع أداء مستحقات المقاولات، وتوفير المعلومات الضرورية أمامها. فالمقاولة الصغيرة لا تحتاج فقط إلى حصة معلنة من الصفقات، وإنما تحتاج أيضا إلى شروط عملية تسمح لها بالمنافسة وتنفيذ التزاماتها دون أن تتحول آجال الأداء أو التعقيدات الإدارية إلى عائق أمام استمراريتها. ولذلك، فإن تقييم هذا الوعد سيقتضي تتبع نسبة الصفقات التي استفادت منها هذه المقاولات فعليا، ومدى توزيعها بين الجهات والقطاعات، وحجم فرص الشغل والنشاط الاقتصادي الناتجة عنها.
وفي المجال الترابي، يبرز الوعد بتوجيه 12 مليار درهم إلى الجهات ابتداء من سنة 2027، في سياق السعي إلى تقوية التنمية الجهوية وتقليص الفوارق بين المجالات. ويشكل التمويل الترابي عنصرا أساسيا في تمكين الجهات من تنفيذ مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية، وتحسين جاذبيتها الاقتصادية، وتطوير برامج تستجيب لخصوصياتها وحاجيات سكانها. فالتنمية المتوازنة لا يمكن أن تقوم على تركيز الاستثمار والخدمات في عدد محدود من المدن، بل تحتاج إلى توزيع أكثر إنصافا للموارد والفرص.
غير أن أهمية المبلغ المعلن لا تنفصل عن طبيعة المشاريع التي سيخصص لها، ومعايير توزيعه، ومدى ارتباطه بحاجيات السكان، فضلا عن قدرة الجهات على إنجاز البرامج داخل الآجال المحددة. فالمطلوب ليس فقط ضخ اعتمادات مالية، بل ضمان تحويلها إلى طرق ومرافق وخدمات وفرص اقتصادية ملموسة. كما أن نشر معطيات واضحة بشأن توزيع التمويلات ونسب تنفيذ المشاريع سيساعد على تعزيز الشفافية، ويتيح للمواطنين والمنتخبين متابعة ما تحقق في كل جهة.
ويتكامل هذا الورش مع التعهد بإعادة الاعتبار للاتمركز الإداري، وهو من الملفات التي يمكن أن تؤثر مباشرة في علاقة المواطن بالإدارة. فاللاتمركز يعني تمكين المصالح الإدارية الجهوية والإقليمية من صلاحيات فعلية لاتخاذ القرارات، بدل الإبقاء على عدد كبير من الملفات رهينا بالمصالح المركزية في الرباط. ومن شأن تفعيل هذا التوجه أن يختصر آجال معالجة الطلبات، ويسهل مواكبة المشاريع الاستثمارية، ويمنح المسؤولين المحليين قدرة أكبر على الاستجابة للحاجيات المستعجلة.
وتتطلب هذه الخطوة توضيح الاختصاصات المنقولة، وتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة، وربط الصلاحيات الجديدة بالمسؤولية عن النتائج. كما تحتاج إلى تنسيق فعلي بين الإدارات المركزية والجهوية، حتى لا يتحول تعدد المتدخلين إلى مصدر إضافي للتأخير. وستكون قيمة الإصلاح هنا في عدد القرارات التي أصبح بالإمكان اتخاذها محليا، وفي الوقت الذي تم توفيره على المواطنين والمقاولات، وفي مدى تحسن جودة الخدمات المقدمة على المستوى الترابي.
أما إعادة هندسة اختصاصات الجهات وتعزيز استقلاليتها، فتندرج ضمن النقاش الأوسع حول الجهوية المتقدمة ودور المجالس المنتخبة في صياغة السياسات التنموية. فتمكين الجهات من صلاحيات أوضح ووسائل أكبر يمكن أن يتيح لها بلورة برامج أكثر انسجاما مع حاجيات السكان، وتطوير شراكات مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، واستثمار المؤهلات الاقتصادية والثقافية والطبيعية لكل منطقة. غير أن توسيع الاختصاصات يحتاج إلى تحديد دقيق للمسؤوليات، حتى تكون العلاقة بين الدولة والجهات قائمة على التكامل لا التداخل، وعلى توزيع واضح للأدوار والموارد.
وتبرز أهمية هذا الورش بصورة أكبر في المناطق التي تواجه صعوبات مرتبطة بضعف البنيات الأساسية أو محدودية فرص الشغل أو تباعد الخدمات العمومية. ففي هذه المجالات، لا يكفي إعلان مشاريع وطنية موحدة، بل تقتضي التنمية مراعاة الفوارق المجالية وتوجيه الاستثمار نحو الحاجيات الأكثر إلحاحا. ومن شأن تقوية الجهوية، إذا اقترنت بالحكامة الجيدة والتتبع المنتظم، أن تجعل القرار التنموي أقرب إلى المواطن، وأن تعزز دور المنتخبين في تحديد الأولويات وتفسير النتائج أمام السكان.
وفي قطاع التعليم، يبرز هدف تحقيق صفر انقطاع عن الدراسة في أفق 2030 باعتباره أحد أكثر الالتزامات ارتباطا بمستقبل الأجيال الصاعدة. فالحد من الهدر المدرسي لا يمثل مجرد مؤشر تربوي، بل يرتبط بتكافؤ الفرص والاندماج الاجتماعي والاقتصادي، وبقدرة المدرسة العمومية على الاحتفاظ بالتلاميذ ومواكبتهم حتى استكمال مساراتهم التعليمية. ويكتسي هذا الهدف أهمية خاصة في الوسط القروي والمناطق التي تعاني من صعوبات النقل وبعد المؤسسات التعليمية أو محدودية الخدمات الاجتماعية المرافقة.
ويتطلب الوصول إلى هذا الهدف مقاربة تجمع بين تحسين جودة التعلمات، وتوفير شروط الاستقرار داخل المؤسسات، وتعزيز النقل المدرسي والإطعام والدعم الاجتماعي حيث تدعو الحاجة، إلى جانب تقوية التوجيه والمواكبة النفسية والاجتماعية للتلاميذ المعرضين للانقطاع. كما أن التنسيق بين المدرسة والأسرة والجماعات الترابية والفاعلين الاجتماعيين يمكن أن يساعد على رصد الصعوبات في وقت مبكر، والتدخل قبل أن تتحول الغيابات المتكررة إلى مغادرة نهائية للدراسة.
وسيكون من الضروري أيضا أن يصاحب هذا الهدف نظام واضح لتتبع نسب الانقطاع حسب الجهات والأسلاك التعليمية والفئات الاجتماعية، حتى لا تبقى النتائج العامة حاجبة للتفاوتات القائمة. فالوصول إلى صفر انقطاع يتطلب معرفة دقيقة بأسباب مغادرة التلاميذ للمدرسة، والتمييز بين الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والمجالية، ثم وضع استجابات مناسبة لكل حالة. وإذا تحقق تقدم ملموس في هذا المجال، فإن أثره سيمتد إلى فرص التشغيل وتقليص الهشاشة وتعزيز قدرة الشباب على الاندماج في المجتمع.
وتجمع هذه الالتزامات، على اختلاف مجالاتها، فكرة أساسية تتمثل في محاولة الربط بين الإصلاح المؤسساتي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. فمكافحة الفساد لا تنفصل عن تحسين مناخ الاستثمار، وتوسيع فرص المقاولات الصغيرة لا ينفصل عن تبسيط الإدارة، وتقوية الجهات تحتاج إلى موارد وصلاحيات واضحة، بينما يتطلب إصلاح التعليم تنسيقا بين الدولة والجماعات الترابية والأسر والفاعلين الاجتماعيين. ومن ثم، فإن نجاح كل ورش سيظل مرتبطا بمدى تكامل الأوراش الأخرى، لا بمجرد تنفيذ كل إجراء بصورة منفصلة.
أما السؤال المتعلق بمدى وفاء حكومة المنصوري بهذه الوعود، فلا يمكن حسمه في بداية الولاية، كما لا يصح التعامل مع الالتزامات المعلنة باعتبارها نتائج تحققت بالفعل. فالفترة الممتدة من 2026 إلى 2031 تتيح للحكومة هامشا زمنيا لتنزيل برنامجها، لكنها تفرض عليها في المقابل مسؤولية تحديد الأولويات والآجال ومؤشرات القياس، وتوضيح الموارد المالية والبشرية اللازمة لكل ورش. ومن شأن نشر حصيلة دورية مفصلة أن يسمح بتمييز ما تحقق فعليا عما يوجد في طور الإنجاز وما يحتاج إلى مراجعة أو تسريع.
وستكون السنوات المقبلة اختبارا عمليا لمدى قدرة الحكومة على تحويل هذه التعهدات إلى تغييرات محسوسة في حياة المواطنين، سواء من خلال إدارة أكثر فعالية وشفافية، أو مؤسسات أكثر انفتاحا على المشاركة، أو فرص اقتصادية أوسع أمام المقاولات، أو جهات تمتلك قدرة أكبر على تدبير شؤونها، أو مدرسة قادرة على الاحتفاظ بتلاميذها وضمان حقهم في التعلم. فالمعيار الأهم ليس كثرة الوعود ولا اتساع عناوين البرنامج، وإنما وضوح الالتزامات وقابلية قياسها، ثم ما يتحقق منها على أرض الواقع.
وفي النهاية، فإن برنامج حكومة المنصوري يضع أمامها مجموعة من الأوراش التي تتجاوز التدبير اليومي إلى قضايا ترتبط بمستقبل المؤسسات والتنمية والعدالة المجالية والاجتماعية. وسيظل الوفاء بهذه الالتزامات رهينا بجدية التنفيذ، ووضوح المسؤوليات، وتعبئة الموارد، واستمرار التقييم والمحاسبة. أما المواطن، فسيكون من حقه أن يتابع هذه الوعود ويقارنها بالنتائج، لا بمنطق إصدار حكم مسبق على التجربة، بل انطلاقا من حقه في معرفة ما تحقق، وما تعثر، وما بقي في حاجة إلى عمل إضافي قبل نهاية الولاية الحكومية.




