العالم

ماذا لو كان إبستين مسلمًا؟ كيف كان سينقلب العالم…


ليس هذا السؤال تمرينًا في الخيال، بل مرآة عاكسة لازدواجية المعايير التي تحكم الخطاب العالمي حول الجريمة والأخلاق وحقوق الإنسان. فقضية جيفري إبستين، بما انطوت عليه من استغلال ممنهج للأطفال، وشبهات الاتجار بالبشر، وشبكات نفوذ سياسية ومالية عابرة للمؤسسات، لم تُعامل يومًا باعتبارها إرهابًا، رغم أنها جمعت كل عناصر الرعب المنظم والجريمة المتكررة والمحمية بالسلطة.
لو كان إبستين مسلمًا، لما توقف النقاش عند حدود الجريمة نفسها، بل كان سيتحول فورًا إلى محاكمة جماعية لهوية كاملة. كانت وسائل الإعلام ستربط الفعل بالدين، وستُستدعى القواميس الجاهزة عن “الظلامية” و“الخطر الثقافي” و“التهديد القيمي”، وكان العالم سيطالب بمراجعة مناهج، وتشديد قوانين، ومراقبة مجتمعات بأكملها، فقط لأن الفاعل ينتمي إلى فضاء مختلف عن المركز المهيمن.
لكن إبستين كان جزءًا من نخبة غربية مغلقة، محاطًا بساسة ورجال أعمال وأسماء ثقيلة في عالم القرار. لذلك جرى تفكيك الجريمة لغويًا، وتحويلها إلى “فضيحة”، وتغليفها بمصطلحات الغموض والانتحار والملفات المؤجلة. لم تُطرح الأسئلة الحقيقية حول من حماه، ومن أسكته، ومن استفاد من سقوطه دون كشف الشبكة كاملة. الضحايا غابوا عن الواجهة، بينما حضرت الروايات المريحة للنظام.
الفرق هنا ليس في الفعل، بل في الفاعل. ففي منطق الهيمنة، لا تُقاس الجريمة بمدى وحشيتها، بل بموقع مرتكبها داخل الخريطة السياسية والثقافية. هناك جرائم تُصنّف فورًا كإرهاب، وجرائم أخطر منها تُصنّف كـ”انحرافات فردية”. الأولى تُستثمر سياسيًا، والثانية يُحتوى ضررها حفاظًا على صورة النظام.
إن أخطر ما تكشفه قضية إبستين ليس فقط حجم الانتهاكات، بل الصمت الذي أحاط بها، والسرعة التي أُغلقت بها الأبواب، وكأن العدالة تصبح فجأة مسألة قابلة للتأجيل حين تهدد مراكز النفوذ. الإرهاب الحقيقي هنا ليس فعل العنف العاري، بل حماية الجريمة، وتطبيعها، وإعادة إنتاج شروطها داخل منظومة تدّعي التفوق الأخلاقي.
لو كان إبستين مسلمًا، لكانت الجريمة عنوانًا دائمًا لنشرات الأخبار، ولتحولت إلى ذريعة لتشديد الخناق على ملايين الأبرياء. لكن لأنه ينتمي إلى قلب المنظومة، فقد تحولت المأساة إلى هامش، والسؤال الأخلاقي إلى عبء غير مرغوب فيه.
في النهاية، لا يفضح هذا الملف شخصًا بقدر ما يفضح عالمًا كاملًا، عالمًا لا يسأل: ماذا حدث؟
بل يسأل أولًا: من فعل؟
وعلى أساس الجواب، تُكتب القصة، أو تُطمس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى