المغرب

لعبة “الضامة” السياسية… عندما تتحرك الأحزاب مثل قطع في لوحة وعود


في المغرب، لا تحتاج إلى لعبة شطرنج ولا إلى مونوبولي لقضاء وقت ممتع في متابعة السياسة… يكفي أن تفتح نشرة الأخبار، لتجد نفسك أمام لعبة أخرى أكثر شعبية: لعبة “الضامة” السياسية.
في هذه اللعبة، القطع لا تؤكل، بل توعد. ولا تهزم، بل تعاد تموضعها في لوحة اسمها “الخطاب العمومي”، حيث كل لاعب ينتظر دوره ليقول جملة واحدة: “نحن نشتغل لصالح المواطن”… ثم يختفي إلى الجولة القادمة.
نبدأ مع اللاعب الذي وعد بإلغاء “الساعة الإضافية”، وكأن عقارب الساعة هي أصل الأزمة الاقتصادية، وليست فقط جزءا من يوم طويل في حياة مواطن أصلا لا يملك ترف الوقت. يتم تأجيل الوعد، ثم إعادة طرحه، ثم نسيانه، ثم تذكيرنا به عند الحاجة الانتخابية. الساعة تتحرك… لكن الوعد ثابت في مكانه، لكن هذا اللاعب نسي أنه هو أضاف هذه الساعة وكأن شركة رونو كانت مسلمة في ذلك الوقت واليوم كفرت، نسي أنه هو من عبد الطريق وفتح الباب على مصرعيه لإمبراطور المحروقات نسي يوم قال لأصحاب الشواهد بيعو القزبور راه التجارة فيها البركة واليوم يوعدنا بإزالة سقف السن في الوظيفة نسي أنه هو من عفا عن التماسيح والعفاريت التي شربت عرق المواطنين حتى آخر قطرة
ثم ننتقل إلى اللاعب الذي وعد بـ”مليون فرصة شغل”، رقم جميل يصلح أكثر لعنوان فيلم خيال اقتصادي. المشكلة ليست في الرقم، بل في قدرته العجيبة على الصمود أمام الواقع، رغم كل المؤشرات التي تقول إن سوق الشغل يحتاج أحياناً إلى فرصة واحدة… لكن حقيقية، لقد نسي صاحبنا أنه دمر القدرة الشرائية للمواطنين وأن المخطط الأخضر لم نرى منه إلا السواد هذا الذي وعد بمليون منصب شغل هو من قال في البرلمان لا تسألو عن الصفقات من اخدها ولمن مررت والا سأوقف الحركة ولن يعمل أحد البارحة يهددنا بشل حركة الإقتصاد اذا تمت محاسبته واليوم يتحدث عن خريطة طريق ناجحة نعم انها ناجحة بكل المقاييس بالنسبة لشركاته ومشاريعه .كما لايفوتنا أن نذكر بوعد اللاعب المخضرم الذي وعد المغاربة ب 2500 درهم لكل أسرة وإن لم يحقق هذا فليرجموه بالحجر لكنه قبل انتهاء بطولة الضاما بقليل تنكر لهذا ومسح السماء بالقفاز
وفي زاوية أخرى من اللوحة، يظهر لاعب السدود. كلما هطلت الأمطار، يُعاد تذكيرنا بأن السدود “قوية وستحمينا من الفيضانات”. وعندما تجف السماء، يتحول الخطاب إلى “تدبير ندرة المياه”. وفي كل الحالات، النتيجة واحدة: المواطن يبلل قدميه في الشتاء ويقلق على قطرة الماء في الصيف.
لاعبة السكن تدخل هي الأخرى بثقلها، محتجة على ارتفاع أسعار الكازوال، ومعلنة أن المواطن “متضرر”. موقف إنساني نبيل طبعاً، يشبه الوقوف في طابور طويل ثم إعلان التضامن مع من في آخر الطابور… مع الاستمرار في الانتظار.
أما لاعب “توزيع الثروة”، فيعود كل مرة بشعار جديد: مشاركة، عدالة، إنصاف… كلمات كبيرة بحجم الوعود، لكنها غالباً صغيرة عند الترجمة إلى سياسات ملموسة. ومع ذلك، تبقى هذه الكلمات هي العملة الأكثر تداولاً في سوق الخطاب السياسي.
في لعبة الضامة هذه، القاعدة بسيطة:
لا أحد يخسر فعلياً
لا أحد يفوز فعلياً
والمواطن يبقى “قطعة ثابتة” في زاوية اللوحة، يتفرج على الباقي وهم يتحركون في دوائر أنيقة من الوعود.
الأجمل في اللعبة أنها لا تنتهي.
كل موسم انتخابي هو إعادة توزيع للقطع نفسها، بنفس الأسماء تقريباً، وبنفس الشعارات تقريباً، لكن مع تحسين بسيط في الإخراج: صوت أعلى، ووعود أكبر، وذاكرة أقصر.
وفي النهاية، يبدو أن المشكلة ليست في اللاعبين… بل في اللوحة نفسها، لأنها مصممة بطريقة تجعل الجميع يتحرك… بينما يبقى السؤال الحقيقي بلا حركة: متى تتحول الوعود من “لعبة ضامة” إلى واقع يُلمس؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى