حين تصبح الهوية الإسلامية هدفا للتشكيك: رسالة إلى من يريدون مغربا منسلخا عن ثوابته

لم يكن تأكيد جلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، على اعتزاز المغاربة بهويتهم الدينية الأصيلة مجرد عبارة عابرة في خطاب افتتاح السنة التشريعية، بل جاء تذكيرا بمكانة الدين الإسلامي في هوية المملكة وامتدادها التاريخي والحضاري. ففي زمن تتصاعد فيه النقاشات حول الدين وموقعه في المجتمع، وتظهر فيه أصوات تدعو إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المغاربة وموروثهم الديني وفق تصورات متباينة، تبرز الحاجة إلى نقاش جاد يميز بين الاجتهاد المشروع في قضايا العصر وبين محاولات إفراغ المرجعية الإسلامية من مضامينها وأحكامها الثابتة.
لقد قال جلالة الملك في خطابه: «ومن حق المغاربة أن يعتزوا بهويتنا الدينية الأصيلة، في ظل إمارة المؤمنين، وبالهوية الحضارية المتميزة، الغنية بتعدد مكوناتها». وهي عبارة واضحة في دلالتها، تجعل الاعتزاز بالهوية الدينية جزءا من الاعتزاز بالوطن، وتؤكد أن المغرب لا يحتاج إلى القطيعة مع أصوله الإسلامية حتى يواصل مساره نحو التنمية والتحديث. فالمملكة التي تسعى إلى تعزيز مكانتها الاقتصادية والدولية، وتطوير مؤسساتها، وتأهيل أجيالها الصاعدة، لا ترى في هويتها الدينية عبئا ينبغي التخلص منه، بل مكونا أصيلا من مكونات شخصيتها الوطنية.
غير أن الإشكال لا يقف عند حدود من يتأفف من صوت الأذان، أو ينظر إلى مظاهر التدين في الفضاء العام باعتبارها بقايا من الماضي؛ فالأذان هنا ليس سوى مثال على اتساع النقاش إلى سؤال أكبر: هل المطلوب تطوير المجتمع مع الحفاظ على ثوابته، أم إعادة تشكيله عبر إضعاف حضوره الديني تدريجيا؟ وهل يمكن الحديث عن احترام هوية المغاربة، ثم التعامل مع بعض مظاهرها وكأنها أمور ينبغي إخفاؤها أو إبعادها عن المجال العام؟
والأخطر من ذلك أن النقاش يتجاوز أحيانا الرموز الظاهرة إلى محاولة التشكيك في أحكام دينية قطعية وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، أو الدعوة إلى بترها من المرجعية الإسلامية بحجة أنها لا تنسجم مع تصورات معاصرة معينة. وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين الاجتهاد في المسائل التي تقبل الاجتهاد، وتجديد الفهم والتنزيل بما يراعي تغير الأحوال والمصالح المعتبرة، وبين التعامل مع النصوص القطعية وكأنها مواد قابلة للحذف والإلغاء كلما اصطدمت برأي أو توجه فكري.
إن الاجتهاد في الإسلام له أصوله وضوابطه، وليس مرادفا لإلغاء الأحكام الثابتة أو انتقاء ما يوافق الأهواء وترك ما لا يوافقها. كما أن استحضار مقاصد الشريعة لا يعني تفريغ النصوص من دلالاتها، بل فهمها في إطارها العلمي الصحيح، وفق مناهج معتبرة، وبعيدا عن التوظيف الانتقائي للدين أو تحويله إلى مادة للمزايدات. ومن حق الباحثين والمفكرين أن يناقشوا قضايا الدين والتشريع، لكن النقاش المسؤول يقتضي المعرفة الدقيقة بالنصوص وأصول الاستدلال، والتمييز بين القطعي والظني، وبين الثابت والمتغير، لا إطلاق الأحكام العامة أو تقديم إلغاء الثوابت باعتباره الطريق الوحيد إلى التقدم.
ولا يمكن المزايدة على المغاربة في دينهم، أو التعامل معهم وكأنهم في حاجة إلى من يلقنهم من الخارج كيف يفهمون هويتهم أو كيف ينظمون حياتهم وفق مرجعيتهم الإسلامية. فالإسلام بالنسبة إلى المغاربة ليس شعارا موسميا ولا انتماء شكليا، بل منظومة متكاملة من العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات، تمتد من أبسط تفاصيل الحياة اليومية إلى أعقد القضايا المرتبطة بالأسرة والمجتمع والحقوق والواجبات. وقد قدم القرآن الكريم والسنة النبوية للمسلمين أصولا وقواعد وقِيما يسترشدون بها في علاقاتهم الإنسانية والاجتماعية، وفي فهم العدل والمسؤولية وصيانة الكرامة وحفظ الحقوق.
ومن ثم، فإن تصوير المغاربة وكأنهم ينتظرون من بعض الأصوات أن تشرح لهم كيف يعيشون دينهم، أو أن تحدد لهم ما ينبغي الاحتفاظ به من مرجعيتهم وما يجب التخلي عنه منها، ينطوي على استخفاف بوعي المجتمع وتاريخه الديني. فالمغاربة لهم علماؤهم ومؤسساتهم الدينية وتقاليدهم العلمية الراسخة، ولهم دستور ينظم مؤسساتهم ويحدد مرجعياتها، وهم قادرون على مناقشة قضايا عصرهم والاجتهاد في المستجدات من داخل أصولهم، دون أن يكونوا مضطرين إلى استيراد تصورات جاهزة أو قبول فكرة أن التقدم لا يتحقق إلا بإعادة صياغة علاقتهم بدينهم.
إن التشريع وتنظيم العلاقات داخل المجتمع مسؤولية مؤسساتية تخضع للدستور والقانون، كما أن الاجتهاد في القضايا الدينية له أصوله وأهله وضوابطه. لذلك، ليس المطلوب إغلاق باب النقاش، وإنما رفض الوصاية الفكرية التي تتعامل مع المجتمع المغربي باعتباره عاجزا عن فهم دينه، أو تجعل من إقصاء المرجعية الإسلامية شرطا مسبقا لأي إصلاح. فالمغاربة ليسوا ضد التطوير والتجديد، لكنهم ليسوا ملزمين بأن يدفعوا ثمنه من هويتهم، ولا بأن يقبلوا المساس بالثوابت القطعية تحت ضغط شعارات تتغير بتغير الموضات الفكرية.
والأصل أن يكون النقاش حول قضايا المجتمع نقاشا يحترم ذكاء المغاربة وخصوصيتهم، ويستحضر أن المرجعية الإسلامية ليست فراغا ينتظر من يملأه، بل رصيد حضاري وتشريعي وأخلاقي له أصوله وقواعده. أما محاولة احتكار الحديث باسم الحداثة أو تقديم كل اعتراض على إقصاء الدين باعتباره رفضا للتقدم، فليست حجة، بل خلط بين حق الاختلاف ومحاولة فرض تصور واحد على مجتمع متعدد، لكنه واضح في اعتزازه بهويته الإسلامية.
وفي المغرب، يكتسب هذا النقاش خصوصية مؤسساتية واضحة، بالنظر إلى مكانة إمارة المؤمنين وإلى المرجعية الدينية للمملكة. فحماية الهوية الإسلامية ليست دعوة إلى إغلاق باب الحوار، ولا ترخيصا للتضييق على المختلفين، وإنما تأكيد على أن النقاش حول الدين ينبغي أن يتم بالعلم والمسؤولية واحترام الإطار الدستوري والمؤسساتي. كما أن الدفاع عن الثوابت لا ينبغي أن يتحول إلى اتهامات مجانية للناس في إيمانهم أو نياتهم، بل إلى حوار جاد يستند إلى الحجة ويصون كرامة الجميع.
ولم يربط جلالة الملك الاعتزاز بالهوية بالتفاخر أو الاكتفاء بما تحقق، بل قال: «إن الاعتزاز بالوطن هنا، ليس من أجل التباهي، والتعبير عن الرضى عن النفس؛ بل هو الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني». وهذه العبارة تضع المدافعين عن الهوية، كما تضع منتقديها، أمام مسؤولية حقيقية: فالهوية لا تصان بالشعارات وحدها، بل بالعدل والنزاهة وجودة التعليم وحماية كرامة المواطنين، كما لا يكون الإصلاح الحقيقي بالتنكر للدين أو تصويره خصما للعلم والتنمية.
ويزداد هذا المعنى وضوحا حين نستحضر أن الخطاب الملكي لم يفصل بين الاعتزاز بالمغرب وبين طموحه إلى أن يصبح قوة اقتصادية صاعدة، ولم يجعل بين الهوية الحضارية والتقدم تناقضا. بل دعا إلى استراتيجيات كبرى في الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وإلى وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية. وهي مجالات تؤكد أن معركة المستقبل الحقيقية هي معركة العلم والإنتاج والعدالة وتكافؤ الفرص، لا معركة مفتعلة بين المغاربة ودينهم.
وفي ختام الخطاب، استشهد جلالة الملك بقول الله تعالى: «مَن جاءَ بالحسنةِ فلهُ عشرُ أمثالِها». وهي آية من سورة الأنعام، الآية 160، تذكر بعظمة الجزاء على العمل الصالح. واستحضار القرآن الكريم في خطاب افتتاح السنة التشريعية ينسجم مع المرجعية الإسلامية للمملكة، ويذكر بأن المسؤولية العامة ينبغي أن تقوم على العمل الصالح والوفاء بالأمانة، لا على المناصب وحدها ولا على الخطابات المنفصلة عن واقع المواطنين.
إن الدفاع عن الهوية الإسلامية لا يعني رفض كل نقاش أو اجتهاد، كما لا يعني أن كل رأي مخالف اعتداء على الدين. لكنه يعني رفض اختزال الإسلام في طقوس شكلية، أو التعامل مع نصوصه القطعية باعتبارها عقبة ينبغي تجاوزها لإرضاء اتجاه فكري أو ثقافي معين. ويعني أيضا أن تعليم الدين الإسلامي ينبغي أن يحظى بمكانته في تكوين الأجيال، لا بوصفه مادة هامشية، بل باعتباره مجالا للمعرفة والتربية على المسؤولية والقيم، إلى جانب العلوم واللغات ومهارات التفكير النقدي.
إلى كل مسؤول أو مفكر أو صاحب رأي يريد أن يناقش مستقبل المغرب، فإن الاختلاف حق، والنقد حق، والاجتهاد المنضبط ضرورة لمواجهة أسئلة العصر؛ لكن احترام المجتمع يقتضي ألا يطلب من المغاربة أن يتخلوا عن ثوابتهم حتى يعترف لهم بالحداثة، وألا يصور تمسكهم بدينهم وكأنه دليل على العجز عن التفكير أو مواكبة العالم. فالتقدم لا يقاس بمقدار ما يمحوه المجتمع من ذاكرته، بل بقدرته على بناء مؤسسات قوية، وتعليم جيد، واقتصاد منتج، وعدالة تصون كرامة الإنسان.
لقد أكد جلالة الملك حق المغاربة في الاعتزاز بهويتهم الدينية الأصيلة في ظل إمارة المؤمنين. وهذه رسالة ينبغي أن تقرأ في معناها الكامل: مغرب يتقدم دون أن يتنكر لجذوره، وينفتح دون أن يفقد شخصيته، ويجدد أدواته ومؤسساته دون أن يحول ثوابته الدينية إلى موضوع للإلغاء الانتقائي. فالأذان مثال، وتعليم الدين مثال، أما القضية الأعمق فهي احترام هوية أمة لا تريد أن تختار بين مستقبلها ودينها، لأنها ترى أن بإمكانها أن تصنع المستقبل وهي واثقة من ذاتها ومرجعيتها.




