حين تتحول محاربة الفساد إلى حماية للمرشحين

الوثائق المتداولة حول عدد من المنتخبين والبرلمانيين تطرح سؤالا سياسيا وأخلاقيا أكبر من مجرد أسماء وردت في لوائح: كيف يمكن لأحزاب ترفع شعار محاربة الفساد وتخليق الحياة العامة أن تستمر في تقديم أسماء ارتبطت، بحسب ما هو وارد في هذه الوثائق، بملفات أو أحكام أو متابعات قضائية؟
وتظهر في الوثائق أسماء منتمية إلى أحزاب متعددة، من بينها التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، الاستقلال، الاتحاد الدستوري، الحركة الشعبية، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية. لكن من الضروري التأكيد أن مجرد ورود اسم شخص في لائحة أو وجود متابعة قضائية لا يعني ثبوت التهمة، كما أن المسؤولية الجنائية لا تثبت إلا بحكم قضائي نهائي. ومع ذلك، فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية للأحزاب تظل قائمة، خصوصا عندما يتعلق الأمر باختيار من سيحمل اسم الحزب ويمثل المواطنين داخل المؤسسات المنتخبة.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود ملفات قضائية في حد ذاته، وإنما في الطريقة التي تتعامل بها بعض التنظيمات السياسية معها. فالحزب الذي يطالب المواطن بالثقة، ويدعي الدفاع عن النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، يفترض أن يكون أكثر صرامة مع مرشحيه من أي جهة أخرى. أما أن يصبح معيار الاختيار هو القدرة على جمع الأصوات والنفوذ الانتخابي، فذلك يعني أن الانتخابات تتحول من وسيلة لتجديد النخب إلى آلية لإعادة إنتاجها.
وحين نقرأ الوثائق المتداولة، نجد أسماء موزعة على أحزاب مختلفة، بما يؤكد أن القضية ليست مرتبطة بحزب واحد، وإنما بمشكلة أوسع تتعلق بثقافة سياسية كاملة. التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، الاستقلال، الاتحاد الدستوري، الحركة الشعبية، الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية كلها أحزاب توجد لها أسماء في هذه الوثائق، ولكل حالة وضعها القانوني والقضائي الخاص بها. ولذلك لا يصح تحويل هذه المعطيات إلى ترتيب قضائي للأحزاب في «الفساد»، لأن الفساد مسؤولية أشخاص تثبتها الأحكام، وليس صفة تلقائية تنتقل إلى كل من ينتمي إلى التنظيم نفسه.
لكن السؤال الذي يجب أن يوجه إلى الأحزاب يبقى أكثر إزعاجا: هل يكفي أن يكون المرشح قادرا على الفوز حتى يصبح صالحا لتمثيل المواطنين؟
الجواب يفترض أن يكون: لا.
النائب البرلماني لا يبيع سلعة في سوق انتخابية، وإنما يحصل على ثقة المواطنين ليتولى مسؤولية التشريع والرقابة على الحكومة والدفاع عن المصلحة العامة. ولذلك فإن اختيار المرشح يجب أن يخضع لمعايير تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة. فإذا كان الحزب يعرف أن مرشحا تحيط به ملفات خطيرة أو شبهات قوية، فإن مسؤوليته ليست فقط أن يبحث له عن مبررات قانونية، وإنما أن يسأل: هل ترشيحه يخدم صورة المؤسسة؟ وهل يعزز ثقة المواطنين في السياسة؟
المؤسف أن المواطن المغربي يسمع منذ سنوات عن تخليق الحياة السياسية ومحاربة الريع والفساد، ثم يجد نفسه أمام نفس الوجوه ونفس شبكات النفوذ ونفس الخطابات. وكلما اقترب موعد الانتخابات، تتحول الأحزاب إلى ما يشبه ورشات لإعادة ترتيب المقاعد، بينما يبقى السؤال الحقيقي مؤجلا: من يستحق فعلا أن يمثل المواطن؟
لا يمكن بناء ديمقراطية قوية بعقلية تقول إن كل شيء مباح ما دام المرشح قادرا على جلب الأصوات. ولا يمكن استعادة ثقة المواطن بخطابات النزاهة بينما يتم التعامل مع بعض الملفات باعتبارها مجرد عوائق انتخابية ينبغي تجاوزها.
إن تخليق الحياة السياسية لا يبدأ بعد ظهور النتائج، ولا يبدأ داخل البرلمان، بل يبدأ لحظة إعداد لوائح المرشحين.
الحزب الذي يريد محاربة الفساد عليه أن يكون أول من يرفض توظيف أصحاب الملفات الثقيلة في معاركه الانتخابية، وأن يضع لنفسه معايير أخلاقية أكثر صرامة من الحد الأدنى الذي يفرضه القانون. لأن القانون يقول من يحق له الترشح، أما الحزب فعليه أن يحدد من يستحق ثقة المواطنين.
أما الاستمرار في تقديم نفس الوجوه، ثم مطالبة المواطن بالتصويت باسم محاربة الفساد، فهو في النهاية يعمق الأزمة بدل أن يحلها.
المواطن لا يحتاج إلى أحزاب تكتشف النزاهة في خطاباتها الانتخابية، ثم تنساها عندما تبدأ مفاوضات الترشيحات. ولا يحتاج إلى برلمان يصبح مكانا لإعادة تدوير الوجوه السياسية. ما يحتاجه هو مؤسسات تحترم المال العام، ونواب يتمتعون بالكفاءة والنزاهة، وأحزاب تتحمل مسؤوليتها قبل أن تطلب من المواطن تحمل مسؤولية التصويت.
فإذا كانت الأحزاب عاجزة عن تنظيف لوائحها الانتخابية، فبأي حق تطلب من المواطن أن يصدق أنها قادرة على تنظيف الحياة العامة؟



