المغرب

جيراندو في مواجهة ارتدادات “أطلس هاكس”.. حين ينقلب حلفاء الأمس إلى خصوم ويصبح البيدق أول ضحايا اللعبة

يبدو أن هشام جيراندو دخل مرحلة مختلفة تماما من مساره، مرحلة لم تعد فيها معركته الأساسية مع خصومه الذين يهاجمهم يوميا، وإنما مع الأسئلة التي بدأت تتكاثر حول محيطه نفسه، وحول طبيعة العلاقات التي نسجها مع أشخاص كانوا يقدمون له باعتبارهم حلفاء وشركاء في ما يسميه مواجهة الدولة والمؤسسات المغربية. فكلما تكشفت معطيات جديدة، بدا أن الصورة التي حاول طويلا تسويقها عن نفسه باعتباره مركزا لشبكة متماسكة تتآكل من الداخل، وأن الخلافات والصراعات وتبادل الاتهامات قد تكون أعمق بكثير مما يظهر على واجهة خطاباته الرقمية.

وتأتي التسريبات المنسوبة إلى ما يعرف بـ”أطلس هاكس” لتفتح الباب أمام رواية مغايرة تماما للصورة التي حاول جيراندو ترسيخها. فبحسب ما يتم تداوله بشأن تلك التسريبات، لم يكن بعض المقربين منه ينظرون إليه بالطريقة التي يظهر بها أمام متابعيه، بل نسبت إلى المهدي حيجاوي، المعروف بلقب “الكابران اللحية”، عبارات شديدة القسوة في حقه، وصلت إلى حد وصفه بأوصاف مهينة والتعامل معه باعتباره شخصا قابلا للتوجيه والاستعمال. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن المفارقة لا تكمن فقط في حجم التناقض بين الخطاب العلني والعلاقات الخفية، بل في احتمال أن يكون الرجل الذي يعتقد أنه يمسك بخيوط اللعبة مجرد طرف داخل لعبة أكبر منه.

الأخطر من ذلك أن التسريبات المتداولة تتحدث عن تصورات وخطط تستهدف جيراندو نفسه، وعن محاولات محتملة لاستدراجه أو توريطه في ملفات من شأنها أن تزيد من متاعبه القانونية. وهنا يتحول المشهد من مجرد خلاف بين أشخاص ينشطون في الخارج إلى صورة أكثر قتامة: مجموعة تتبادل الاتهامات والشكوك، وكل طرف يحاول حماية موقعه ولو كان الثمن التخلص من الطرف الآخر. وإذا كانت هذه الرواية صحيحة، فإن جيراندو يكون قد وجد نفسه في أخطر نقطة يمكن أن يصل إليها أي ناشط رقمي: حين يصبح الخطر الأقرب إليه قادما من الدائرة التي كان يعتقد أنها تحمي ظهره.

ومع ذلك، يواصل جيراندو خطاباته اليومية بالوتيرة نفسها، وكأن شيئا لم يتغير. يهاجم، يصرخ، يتهم، ويعيد تدوير الخطاب ذاته، بينما تتسع الهوة بين الصورة التي يريد تقديمها عن نفسه وبين الأسئلة التي تفرضها التطورات المتداولة حوله. والأكثر دلالة أن هجومه المتكرر على شخصيات ومؤسسات أمنية مغربية لا يبدو، في ضوء هذه التطورات، كأنه يعالج أصل أزمته؛ لأن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: من يهاجم جيراندو؟ بل أيضا: من يحيط به؟ ومن يستفيد من بقائه في واجهة الصراع؟ ومن يملك مصلحة في إبقائه مشغولا بمعارك جانبية بينما تتغير الحسابات خلف الكواليس؟

وفي المقابل، تقف المؤسسات الأمنية المغربية في مسار مختلف تماما، يقوم على العمل المؤسساتي والمهام المرتبطة بحماية الأمن الداخلي ومواجهة التهديدات العابرة للحدود. وفي مقدمة هذه المؤسسات المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، اللتان يقودهما عبد اللطيف حموشي، حيث يستمر الاشتغال وفق منطق المؤسسة والاختصاصات القانونية، بعيدا عن منطق الفيديوهات اليومية والمواجهات الرقمية التي جعل منها جيراندو عنوانا أساسيا لحضوره.

وهنا تتجلى المفارقة بأوضح صورها: طرف يحاول صناعة النفوذ من خلال الصخب الرقمي، وطرف آخر يبني حضوره من خلال مؤسسة وأجهزة واختصاصات وعمل متواصل لا يحتاج إلى الاستعراض اليومي. وبين المسارين تتسع المسافة شيئا فشيئا؛ فالمؤسسات تقاس بقدرتها على أداء وظائفها، أما الخطابات الرقمية فتظل رهينة بقدرتها على إقناع الجمهور واستمرار الاهتمام بها.

ولعل أكثر ما يكشف هشاشة المشروع الذي يقدمه جيراندو هو أن الخطر، وفق الرواية التي تكشفها التسريبات المتداولة، لم يعد محصورا في خصومه المعلنين. فإذا كان بعض الأشخاص الذين ظهروا إلى جانبه في مراحل سابقة يتحدثون عنه بهذه اللغة، وإذا كانت هناك بالفعل محاولات لإبعاده أو استخدامه أو تحميله تبعات ملفات أخرى، فإن المسألة تصبح أكبر من مجرد خلاف شخصي؛ إنها أزمة ثقة داخل دائرة يفترض أنها قائمة على التنسيق والتضامن.

وهكذا قد يجد جيراندو نفسه أمام مفارقة ثقيلة: كلما رفع سقف خطابه ضد الآخرين، ارتفعت الأسئلة حول محيطه؛ وكلما حاول الظهور بمظهر صاحب المبادرة، عادت إلى الواجهة معطيات توحي بأنه ليس بالضرورة صاحب القرار في كل ما يجري حوله. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون سقوط الصورة سببه خصم واحد، بل تراكم التناقضات من داخلها.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لشخص بنى حضوره على فضح الآخرين هو أن تبدأ الدائرة بالانقلاب عليه، وأن يصبح ماضيه وخطابه وتحالفاته مادة للتحليل والتفكيك. وعندها لا يعود الصراخ كافيا، ولا تكفي الاتهامات المتكررة لتغطية الأسئلة التي تفرضها الوقائع والتسريبات والخصومات الداخلية.

ومن هذه الزاوية، فإن قصة جيراندو، بصرف النظر عن صحة كل ما يروج بشأن التسريبات من عدمها، تكشف شيئا أوسع من شخص واحد: عالم رقمي يمكن أن يتحول فيه الحليف إلى خصم، والواجهة إلى ورقة تفاوض، والاتهام إلى وسيلة ضغط، ومن يعتقد أنه يستخدم الآخرين إلى شخص قد يجد نفسه مستخدما داخل لعبة أكبر من قدرته على التحكم فيها.

ويبقى الاختبار الحقيقي أمام هذه الروايات هو الدليل والتحقيق والقضاء، لا الضجيج ولا الشتائم ولا مقاطع الفيديو. فإذا صحت المعطيات المنسوبة إلى التسريبات، فإن جيراندو يكون أمام أزمة داخلية لا تقل خطورة عن خصوماته الخارجية؛ وإذا لم تصح، فإن إثبات ذلك يظل مسؤولية من نشرها وروج لها. وفي الحالتين، فإن زمن الشعارات السهلة لا يستطيع إلى ما لا نهاية أن يحجب السؤال الأصعب: ماذا يحدث فعلا خلف الستار؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى