السي شوكي في الجنوب الشرقي: بين الجاذبية الترابية و”بوشويكة” الانتخابية!

حلّ السيد مخمد شوكي بمدينة الرشيدية، رفقة كتيبة من الأساتذة الجامعيين والقيادات الحزبية، للمشاركة في ندوة علمية حول “الجاذبية الترابية” و”الجيل الجديد للتنمية المندمجة”. عناوين كبيرة ولامعة تجعل المستمع يعتقد أن جهة درعة تافيلالت تحولت إلى نسخة من وادي السيليكون، وأن المصانع تتكاثر أسرع من أشجار النخيل، وأن الملاعب والبنيات التحتية تتسابق فيما بينها لكسب رضا المواطنين.
لكن سكان الجنوب الشرقي، الذين يستيقظون يوميا على حرارة تشوي الوجوه صيفا وبرد ينخر العظام شتاء، لا يزالون يبحثون عن تلك “الجاذبية الترابية” التي يتحدث عنها السادة الباحثون. ربما هي جاذبية لا تُرى بالعين المجردة، أو تحتاج إلى تلسكوب سياسي خاص لا يتوفر إلا لأعضاء الحزب.
فالغريب أن هذه الندوات العلمية الراقية لا تظهر إلا عندما تبدأ رائحة الانتخابات في الانتشار. طوال السنوات الماضية كان الجنوب الشرقي يكافح العطش والهشاشة وضعف الاستثمار والبطالة والعزلة، لكن فجأة اكتشف الجميع أن الجهة تحتاج إلى التفكير الجماعي والإنصات والحكامة والورش التنموي. وكأن المواطنين كانوا يعيشون في كوكب آخر إلى أن اقترب موعد صناديق الاقتراع.
أما الأساتذة الجامعيون الذين أثروا النقاش بمداخلات رصينة، فنتمنى فقط أنهم أخبروا السيد شوكي أن التنمية ليست عرض شرائح في ندوة مكيفة، وليست كلمات منمقة عن “الجاذبية” و”التمكين” و”الحكامة”، بل طرق ومستشفيات وفرص شغل وماء صالح للشرب واستثمارات حقيقية تجعل الشباب يتشبث بأرضه بدل البحث عن الخلاص في مدن أخرى.
ونوجه للسيد شوكي نصيحة أخوية خالصة: رد البال من الجنوب الشرقي. فالمنطقة ليست سهلة كما تبدو في التقارير الحزبية. هناك امتحان يومي في تحمل لهيب الشمس الذي يجعل الحرارة تبدو وكأنها مشروع تنموي قائم بذاته، وهناك برد شتوي قادر على تعليم العظام معنى الصبر الاستراتيجي.
وفوق هذا وذاك، احذر يا سي شوكي من المرض الأسطوري الذي تتناقله الأجيال في المنطقة: “بوشويكة”. فهذا المرض لا يعترف لا بالجاذبية الترابية ولا بالبرامج المندمجة ولا بالأوراش الكبرى. يهاجم الجميع بلا تمييز، ويترك الصغار مكزّرين أياما طويلة. وإذا كان أهل الجنوب الشرقي قد تعودوا على التعايش معه، فإن بعض السياسيين قد لا يتحملون أول اختبار ميداني حقيقي خارج قاعات الندوات المكيفة.
لذلك، قبل الحديث عن جاذبية الاستثمارات الأجنبية والوطنية، ربما سيكون من المفيد الحديث عن جاذبية الطبيب نحو المستشفى القروي، وجاذبية المستثمر نحو المناطق المنسية، وجاذبية المسؤول نحو هموم المواطنين اليومية.
أما الندوات والخطب والصور التذكارية، فقد أصبحت مثل النخيل في الجنوب الشرقي: كثيرة… لكن المواطن ما زال ينتظر الثمار.




