بنكيران يرفض مقر البام ويستدعي المنصوري إلى بيته.. هل بدأت معركة المعارضة قبل تشكيل الحكومة؟

بنكيران لا يريد أن يبدأ اللقاء مع المنصوري من مقر الأصالة والمعاصرة. بهذه الخطوة، التي قد تبدو في ظاهرها مجرد تفصيل بروتوكولي، بدأت مشاورات تشكيل الحكومة تحمل رسائل سياسية تتجاوز حدود المكان والزمان. فبينما اختارت قيادات حزبية أخرى التوجه إلى مقر حزب الأصالة والمعاصرة للقاء فاطمة الزهراء المنصوري، اختار الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، أن تكون المنصوري هي من تتوجه إلى منزله بالرباط، في طلب لم تحسم رئيسة الحكومة المعينة بعد في الاستجابة له.
وقد يكون بنكيران، بما راكمه من تجربة على رأس الحكومة، مدركا جيدا أن السياسة لا تصنعها فقط مضامين اللقاءات، وإنما أيضا رمزية ترتيبها ومكان انعقادها. فالرجل ليس مجرد أمين عام لحزب حصل على 54 مقعدا في انتخابات 23 شتنبر، بل رئيس حكومة سابق عاد بحزبه إلى واجهة المشهد بعد تراجع كبير في الاستحقاق السابق. وفي المقابل، تدخل المنصوري هذه المشاورات من موقع مختلف تماما، بعدما تصدر حزبها الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدا، متقدما على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا والاستقلال بـ65، فيما حل العدالة والتنمية رابعا بـ54 مقعدا.
لهذا، فإن اختيار بنكيران لمنزله قد يقرأ باعتباره محاولة لتثبيت موقع العدالة والتنمية منذ اللحظة الأولى: الحزب ليس طرفا ينتظر دعوة إلى الأغلبية، ولا رقما انتخابيا عابرا يمكن استدعاؤه فقط لاستكمال الحسابات العددية، بل قوة برلمانية أعلنت مسبقا أن موقعها هو المعارضة. والمجلس الوطني للحزب حسم، وفق ما صرح به بنكيران، قرار عدم المشاركة في الحكومة المقبلة، وهو ما يجعل اللقاء مع المنصوري، في صورته السياسية المعلنة، أقرب إلى تواصل بين طرفين سيتواجهان لاحقا داخل المؤسسة التشريعية من موقعين مختلفين.
لكن السؤال الأكثر إثارة لا يتعلق بالمكان وحده، بل بما يريد بنكيران أن يقوله من خلاله. هل أراد أن يذكر المنصوري بأن الحزب الذي ستقود حكومته المقبلة لا يملك وحده مفاتيح المشهد السياسي؟ أم أراد، قبل الجلوس إلى الطاولة، أن يضع مسافة رمزية بين حزب يقود الحكومة وحزب يستعد للمعارضة؟ أم أن الأمر ببساطة يعكس موقع بنكيران كرئيس حكومة سابق ورجل سياسي اختار أن يستقبل رئيسة الحكومة المعينة بدل أن يتوجه إلى مقر حزبها؟ لا توجد، إلى حدود المعطيات المتاحة، إجابة معلنة تحسم واحدة من هذه القراءات، ولذلك تبقى دلالات الخطوة مفتوحة على أكثر من تأويل.
غير أن المؤكد سياسيا أن العدالة والتنمية لا يدخل هذه المرحلة بعقلية البحث عن موقع داخل الحكومة، بل بعقلية إعادة بناء موقع المعارضة. وهذا يجعل 54 مقعدا التي حصل عليها الحزب أكثر من مجرد رقم في جدول النتائج؛ فهي كتلة برلمانية قادرة على الحضور والمساءلة والنقاش والتصويت، خصوصا في مرحلة ستواجه فيها الحكومة الجديدة ملفات ثقيلة وانتظارات اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة. وفي هذا السياق، فإن بنكيران لا يحتاج إلى دخول الحكومة كي يثبت حضور حزبه؛ فقد اختار أن يكون خارجها، ومن هناك سيبدأ اختبار آخر: كيف سيتحول هذا الحضور الانتخابي إلى معارضة سياسية فعلية؟
أما الأصالة والمعاصرة، فالمسألة بالنسبة إليه لا تقف عند تشكيل أغلبية مريحة، بل تتعلق أيضا بإدارة علاقة جديدة مع معارضة يقودها حزب عاد إلى البرلمان بقوة أكبر مما كان عليه في الانتخابات السابقة. والمنصوري، التي شرعت في مشاورات تشكيل الحكومة، مطالبة في نهاية المطاف ببناء أغلبية قادرة على الاشتغال، بينما سيكون بنكيران وحزبه خارجها يراقبان ويعارضان وينتقدان.
لذلك، قد يكون لقاء المنزل مجرد لقاء، وقد يكون وراء ترتيبه معنى سياسي أوسع. لكن المؤكد أن الرسالة الأوضح لا توجد في عنوان المكان بقدر ما توجد في موقع كل طرف: المنصوري جاءت من نتائج انتخابية وضعت حزبها في الصدارة وتفتح أمامها مهمة تشكيل الحكومة، وبنكيران جاء من نتائج أعادت حزبه إلى الواجهة ومن قرار حزبي واضح بالمعارضة. وبين الطرفين، لا يبدو أن المشهد السياسي الجديد سيكون مجرد انتقال هادئ من الانتخابات إلى الحكومة، بل بداية فصل مختلف ستكون فيه المعارضة جزءا أساسيا من معادلة الحكم، حتى وإن كانت خارج الحكومة.
وبهذا المعنى، فإن الباب الذي ستطرقه المنصوري، إن تم اللقاء في منزل بنكيران، قد لا يكون مجرد باب منزل؛ بل قد يكون أول عتبة في علاقة سياسية جديدة بين حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة ومعارضة يقود أحد أبرز وجوهها السياسية عبد الإله بنكيران. أما “الهدف” الحقيقي، فلن تحسمه صورة اللقاء ولا مكانه، وإنما ما سيأتي بعده تحت قبة البرلمان.




