أقلام حرةالمغرب

اللهم ارزقنا سعادة على المقاس الفنلندي

مرة أخرى، تتصدر فنلندا قائمة أسعد شعوب العالم… للسنة التاسعة على التوالي. تسع سنوات من السعادة المتواصلة، وكأن الأمر يتعلق باشتراك سنوي في “خدمة الراحة النفسية” مع تجديد تلقائي. أما نحن، فنعيش بنظام “الدفع عند الألم”.
ربما الحل أبسط مما نعتقد. بما أننا فتحنا شهية الاستيراد على مصراعيها، من البقر الهولندي إلى البصل الأوروبي، فلماذا لا نُكمل الصفقة ونستورد قليلًا من “السعادة الجاهزة للاستعمال” من فنلندا؟
الفكرة ليست عبثية كما تبدو. نحن بلد يؤمن بالحلول السريعة: عندما ترتفع الأسعار، نستورد؛ عندما ينقص الإنتاج، نستورد؛ وعندما تختنق القدرة الشرائية… نصبر. إذن، لماذا لا نحوّل الصبر نفسه إلى صفقة عمومية؟ طلب عروض دولي، بشروط واضحة:
“توريد عاجل لـ1000 طن من الطمأنينة، مع ضمان الجودة الأوروبية، قابلة للتوزيع بالتقسيط على المواطنين”.
قد يتكفل عزيز أخنوش بالإشراف على العملية، بما أن التجربة في الاستيراد أصبحت راسخة. وربما تُعطى الأفضلية للشركات التي تقدم عرضًا متكاملاً: سعادة معبأة، مرفوقة بإحساس بالعدالة، ونكهة خفيفة من الكرامة اليومية.
لكن المشكلة، كالعادة، ليست في العرض بل في دفتر التحملات. لأن السعادة، كما يبدو، لا تُشحن في حاويات، ولا تمر عبر الموانئ، ولا تُخزن في المستودعات. السعادة تحتاج إلى شيء آخر: طريقة مختلفة في تدبير الحياة.
هناك، في فنلندا، الدولة تسأل نفسها كل صباح: كيف نجعل المواطن أكثر راحة؟
وهنا، المواطن يسأل نفسه كل مساء: كيف نكمل هذا الشهر دون خسائر إضافية؟
هناك، الثقة رصيد جماعي.
وهنا، الثقة عملة نادرة، تُستهلك بسرعة ولا تُعوّض.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار شيء واحد: نحن أيضًا نمتلك “شكلًا” من السعادة. سعادة غريبة، غير قابلة للقياس في التقارير الدولية. سعادة تُولد من الضحك وسط الأزمات، من النكتة في وجه الغلاء، من القدرة العجيبة على تحويل الضغط اليومي إلى مادة للسخرية.
ربما لسنا أسعد شعوب العالم، لكننا من أكثرها تمرسًا على التعايش مع المفارقة: نعيش بصبر، ونضحك بذكاء، ونؤجل الانهيار إلى إشعار آخر.
في النهاية، الفرق بيننا وبين فنلندا ليس في الحظ، بل في السؤال نفسه.
هم يسألون: كيف نعيش بشكل أفضل؟
ونحن نسأل: كيف نستمر فقط؟
لكن لا بأس…
ما دمنا نضحك، فالأمور تحت السيطرة.
أو على الأقل… هكذا نقنع أنفسنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى