هل انفجر الصراع داخل “الحمامة”؟.. حين تطفو حرب التزكيات على السطح

كلما اقترب موعد الانتخابات، تتحول الأحزاب السياسية إلى مختبر مفتوح للصراعات الداخلية. غير أن ما يجري اليوم داخل حزب التجمع الوطني للأحرار بجهة الشرق يبدو أكبر من مجرد نقاش عادي حول التزكيات، وأعمق من مجرد تنافس انتخابي بين مرشحين يتطلعون إلى حمل ألوان الحزب في استحقاقات شتنبر 2026.
فما الذي يحدث فعلاً داخل حزب يقود الحكومة؟ وهل يتعلق الأمر بخلاف عابر حول أسماء المرشحين؟ أم أننا أمام صراع نفوذ ظل لسنوات كامناً تحت السطح قبل أن تبدأ ملامحه في الظهور؟
المعطيات المتداولة داخل الحزب تشير إلى وجود تباين واضح في الرؤى بين المنسق الجهوي محمد أوجار ورئيس الحزب محمد شوكي بشأن عدد من الدوائر الانتخابية الحساسة، وعلى رأسها الناظور. لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان هناك خلاف بين الرجلين، بل: هل أوجار وشوكي هما فعلاً طرفا الصراع، أم أنهما مجرد واجهتين لمعركة أكبر تدور خلف الستار؟
في الأحزاب التي تتحول فيها السلطة إلى مركز جذب للمصالح والنفوذ، لا تكون التزكيات مجرد أوراق انتخابية، بل تتحول إلى خرائط للولاءات وموازين القوى. ولذلك فإن المعركة لا تدور حول من يملك الشعبية أو الكفاءة بقدر ما تدور حول سؤال آخر: من يملك القدرة على فرض رجاله داخل المؤسسات المنتخبة؟
ما يجري في الناظور يقدم نموذجاً واضحاً لهذا الوضع. فالصراع لم يعد بين مشاريع سياسية مختلفة، بل بين شبكات نفوذ تتنافس على تمثيل الحزب. كل طرف يسعى إلى تثبيت مواليه وأنصاره داخل المواقع المنتخبة، وكأن الانتخابات أصبحت وسيلة لإعادة توزيع النفوذ الداخلي أكثر من كونها مناسبة للتنافس على خدمة المواطنين.
هنا يطرح سؤال آخر نفسه بإلحاح: هل ما نشهده هو بداية تصدع داخل الحزب الذي بنى جزءاً كبيراً من قوته على صورة الانضباط والوحدة التنظيمية؟
خلال السنوات الماضية، نجح التجمع الوطني للأحرار في استقطاب أعداد كبيرة من المنتخبين والأعيان والفاعلين المحليين. لكن كثيراً من هؤلاء لم يلتحقوا بالحزب نتيجة اقتناع فكري أو مشروع سياسي واضح، بل بسبب موقع الحزب في السلطة وقربه من دوائر القرار. وعندما تكون المصلحة هي الرابط الأساسي، فإن أول اهتزاز في موازين القوة يتحول سريعاً إلى موجة مغادرة أو إعادة تموقع.
لهذا تبدو المعركة الحالية أكبر من مجرد خلاف حول التزكية في الناظور أو وجدة أو جرسيف. إنها معركة حول من سيتحكم في الحزب بعد أن بدأت شعبية الحكومة تتآكل تحت ضغط الغلاء والبطالة والأزمات الاجتماعية المتراكمة.
ومن هنا يبرز اسم “الحوت الأزرق” في الكواليس السياسية. فالكثير من المتابعين يتساءلون عما إذا كان الصراع الظاهر بين أوجار وشوكي يخفي صراعاً أعمق بين مراكز نفوذ متعددة داخل الحزب، بعضها يستعد لمرحلة ما بعد أخنوش، وبعضها الآخر يحاول إعادة ترتيب مواقعه قبل أي تغيير محتمل في الخريطة السياسية المقبلة.
أما الرهان الأكبر فيظل خارج أسوار الحزب نفسه.
فالمواطن المغربي الذي عاش سنوات من الوعود الكبرى، وواجه في المقابل موجات متتالية من الغلاء وتراجع القدرة الشرائية وتنامي الشعور بالإحباط، قد يكون صاحب الكلمة الحاسمة في انتخابات 2026.
السؤال الذي يؤرق قيادة “الحمامة” اليوم ليس فقط: من سيحصل على التزكية؟
بل: هل ما زال الناخب مستعداً لمنح الحزب فرصة جديدة؟
وهل يستطيع التجمع الوطني للأحرار الصمود أمام حالة السخط الشعبي المتنامية؟
أم أن الهزيمة، إن وقعت، لن تأتي من المعارضة بقدر ما ستأتي من داخل الحزب نفسه؟
فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الأحزاب لا تسقط دائماً بسبب خصومها، بل كثيراً ما تنهار عندما تتحول معاركها الداخلية إلى حرب مفتوحة على النفوذ والمواقع والمصالح.
وعندما تصبح التزكية ساحة لتصفية الحسابات، فإن أول الخاسرين لا يكون المرشح المستبعد، بل الحزب نفسه.




