المغرب

من البقر الهولندي إلى البصلة الهولندية… حين يصبح “المخطط الأخضر” نكتة موسمية


يبدو أن عزيز أخنوش قرر أن يطوّر مفهوم السيادة الغذائية… لكن بطريقة مبتكرة جدًا: بدل أن نُنتج، نستورد. وبدل أن نزرع، نفتح شهية السوق على ما تجود به الموانئ. هكذا، وبعد ملحمة “البقر الهولندي”، ها نحن نستقبل اليوم “البصلة الهولندية” كضيف شرف جديد في موائد المغاربة، بسعر يتراوح بين 15 و20 درهم… وكأنها فاكهة استوائية نادرة، لا مجرد بصلة كانت يومًا رمزًا للفقر والكسكس الشعبي.
أين نحن من المخطط الأخضر؟ ذاك المشروع الذي وُعدنا به كمنقذ للفلاحة، وكجسر نحو الاكتفاء الذاتي، فإذا به يتحول –مع مرور السنوات– إلى “المخطط الأخطر”، حيث الأخضر الوحيد هو لون الشعارات، أما الواقع فبين الأصفر (لون البصلة) والأحمر (لون الأسعار).
المفارقة أن المغرب، البلد الذي كان يُضرب به المثل في تنوعه الفلاحي، أصبح يستورد حتى أبسط منتجاته. البصل، هذا الكائن المتواضع الذي لا يحتاج إلى فلسفة زراعية معقدة، صار يأتي من هولندا وإسبانيا، وكأن الأرض المغربية أعلنت إضرابًا عن الإنتاج، أو أن الفلاح المغربي قرر التقاعد الجماعي دون سابق إنذار.
وإذا كان “البقر الهولندي” قد دخل في إطار إنقاذ القطيع، فإن “البصلة الهولندية” تدخل في إطار… إنقاذ الدموع. نعم، لم يعد المواطن يبكي من تقطيع البصل، بل من ثمنه. دموع موسمية، لكنها هذه المرة اقتصادية بامتياز.
وبما أننا فتحنا شهية الاستيراد، فلماذا نتوقف عند البقر والبصل؟ لماذا لا نستورد أيضًا بعض “الأجور الهولندية” لنوازن بها فاتورة الغلاء؟ أو نستورد “سياسة تعليمية هولندية” لعلها تُنقذ مدرسة عمومية تتنفس بصعوبة؟ ولم لا “تطبيب هولندي” يُعيد الثقة لمستشفيات أصبحت بدورها تحتاج إلى إنعاش؟
الواقع أن المشكلة لم تعد في البصلة ولا في مصدرها، بل في فلسفة كاملة تُدار بها الفلاحة: دعم يُمنح للكبار، وتهميش يطال الصغار، وتوجيه للإنتاج نحو التصدير بدل السوق الداخلي. والنتيجة؟ سوق محلية فارغة، وأسعار ملتهبة، ومواطن يشتري “بصلة أوروبية” بثمن وجبة كاملة.
في النهاية، يبدو أن “المخطط الأخضر” نجح فعلًا… لكن ليس في جعل المغرب أخضر، بل في جعلنا نرى العالم كله أخضر، من هولندا إلى إسبانيا، بينما حقولنا تذبل في صمت. وبين شعار التنمية وواقع الاستيراد، يبقى المواطن المغربي هو الحلقة الأضعف… يدفع الثمن، ويضحك أحيانًا، حتى لا يبكي كثيرًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى