مضيق هرمز: من بوابة الإمبراطوريات إلى صانع الأزمات العالمية

ليس مضيق هرمز مجرد ممر مائي ضيق يفصل بين إيران وسلطنة عمان، بل هو عقدة تاريخية وجيوسياسية تختزل صراع القرون، وتتحكم في إيقاع الاقتصاد العالمي. فمنذ العصور القديمة، كان هذا المضيق شريانًا حيويًا للتجارة، تمر عبره سفن محملة بالتوابل والحرير واللؤلؤ، تربط بين بلاد فارس وبلاد الرافدين والهند وشرق إفريقيا. لم يكن مجرد معبر، بل كان قلب شبكة تبادل حضاري واقتصادي مبكر.
في القرن السادس عشر، دخل المضيق مرحلة جديدة مع وصول البرتغاليين بقيادة ألفونسو دي ألبوكيرك، الذي أدرك مبكرًا قيمة السيطرة على هذا الموقع، فاحتل جزيرة هرمز سنة 1515 وأقام بها حصونًا لفرض هيمنة بحرية وتجارية. غير أن هذه السيطرة لم تدم، إذ تمكنت الدولة الصفوية في إيران سنة 1622، بتحالف مع شركة الهند الشرقية البريطانية، من طرد البرتغاليين، في لحظة جسدت بداية عودة النفوذ الإقليمي إلى المنطقة.
لاحقًا، ومع صعود المملكة المتحدة، دخل المضيق تحت مظلة نفوذ بريطاني غير مباشر استمر حتى القرن العشرين، حيث كانت الإمبراطورية تحرص على تأمين طريقها الحيوي نحو الهند. لكن مع انسحابها سنة 1971، تُرك فراغ استراتيجي سارعت القوى الإقليمية إلى ملئه، وفي مقدمتها إيران.
في عهد محمد رضا بهلوي، وبدعم من الولايات المتحدة، تحولت إيران إلى ما يشبه “شرطي الخليج”، معززة قوتها البحرية ومثبتة حضورها في المضيق. وبعد الثورة الإسلامية في إيران بقيادة روح الله الخميني، لم تتراجع هذه السيطرة، بل تغيرت طبيعتها، لتصبح أكثر استقلالية وأيديولوجية، مع صعود الحرس الثوري كقوة رئيسية في تأمين النفوذ الإيراني.
لكن الحديث عن “سيطرة” إيران على مضيق هرمز يحتاج إلى دقة. فالمضيق، وفق القانون الدولي، ممر مائي دولي، لا تملكه دولة بعينها. غير أن الجغرافيا منحت إيران أفضلية حاسمة، إذ تطل على الضفة الشمالية وتتحكم في جزر استراتيجية مثل قشم وهرمز، ما يجعلها قادرة على مراقبة الملاحة والتأثير فيها بشكل فعلي، دون امتلاك قانوني مباشر.
هذه القدرة ظهرت بوضوح خلال الحرب العراقية الإيرانية، خاصة في ما عُرف بـ“حرب الناقلات”، حيث استُهدفت السفن النفطية، وأثبتت إيران أنها قادرة على تعطيل حركة المرور البحري. ومنذ ذلك الحين، بات المضيق ورقة ضغط جيوسياسية تستخدمها طهران في مواجهة خصومها، خصوصًا الولايات المتحدة.
عمليًا، تستطيع إيران إغلاق المضيق أو تعطيله مؤقتًا باستخدام الألغام البحرية والصواريخ والزوارق السريعة والطائرات المسيّرة، لكن هذا الإغلاق لن يكون سهلًا ولا طويل الأمد. فالمضيق يخضع لمراقبة دولية مكثفة، وأي محاولة لإغلاقه ستقابل برد عسكري قوي، قد يتحول إلى مواجهة إقليمية أو حتى دولية واسعة.
ومع ذلك، فإن مجرد إغلاق المضيق، حتى لفترة قصيرة، كفيل بإحداث زلزال عالمي. فحوالي خُمس إمدادات النفط العالمية تمر عبره، وأي توقف سيؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار، واضطراب في سلاسل الإمداد، وتضخم اقتصادي قد يجر العالم نحو الركود. كما سيعيد تشكيل خريطة الطاقة، ويدفع الدول إلى البحث عن بدائل وتقليل الاعتماد على الخليج.
أما بالنسبة لـالمغرب، فرغم بعده الجغرافي، فإنه لن يكون بمنأى عن التداعيات. فارتفاع أسعار النفط سينعكس مباشرة على أسعار الوقود والنقل والمواد الأساسية، مما سيضغط على القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من الأعباء الاقتصادية على الدولة. كما قد تتصاعد التوترات الاجتماعية في ظل الغلاء، في وقت يشهد فيه الاقتصاد أصلاً تحديات بنيوية. ومع ذلك، قد تفتح الأزمة أيضًا نافذة لإعادة التفكير في النموذج الطاقي، عبر تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة وتعزيز الشراكات الاستراتيجية.
في النهاية، يظل مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر مائي؛ إنه نقطة التقاء بين التاريخ والجغرافيا والسياسة، ومقياس دقيق لميزان القوى في العالم. من إمبراطوريات الأمس إلى صراعات اليوم، ومن تجارة التوابل إلى أسواق النفط، ظل هذا المضيق شاهدًا على حقيقة واحدة: من يقترب من هرمز، يقترب من قلب العالم… ومن أزماته أيضًا.




