مالي تسحب اعترافها بـ”البوليساريو”: تحول استراتيجي يعزز موقع المغرب إقليميا

في خطوة وُصفت بالمفصلية في مسار النزاع الإقليمي حول الصحراء، أعلنت جمهورية مالي رسميًا سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، في قرار يحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية تتجاوز الإطار الثنائي، ليطال توازنات المنطقة برمتها.
البيان الصادر عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي في مالي لم يكن مجرد إعلان دبلوماسي عابر، بل جاء محمّلًا برسائل واضحة تؤكد عمق التحول في الموقف المالي. فقد شددت باماكو على متانة العلاقات التي تجمعها بالمملكة المغربية، ووصفتها بالتاريخية والمتجذرة، القائمة على الأخوة والتعاون والتضامن الفعّال، وهو ما يعكس انتقال العلاقة من مستوى التنسيق التقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.
اللافت في البيان ليس فقط إعلان سحب الاعتراف، بل أيضًا الإشادة الصريحة بالدور الذي يلعبه المغرب في دعم الاستقرار والتنمية داخل القارة الإفريقية، خاصة في منطقة الساحل التي تعيش تحديات أمنية معقدة. هذا التنويه يعكس إدراكًا متزايدًا لدى دول المنطقة بأن المقاربة المغربية، التي تجمع بين البعد التنموي والأمني، باتت نموذجًا يحظى بالمصداقية.
وفي ما يخص ملف الصحراء، أكدت مالي دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، معتبرة إياها “الأساس الجاد والموثوق الوحيد” لحل النزاع، وهو توصيف يعكس انسجامًا متزايدًا مع المواقف الدولية التي باتت تميل نحو الواقعية السياسية بدل الطروحات الانفصالية التي فقدت الكثير من زخمها خلال السنوات الأخيرة.
كما لم يُغفل البيان الإشارة إلى مرجعية الأمم المتحدة، خاصة القرار رقم 2797 لسنة 2025، في تأكيد على أن هذا التحول لا يخرج عن الإطار الأممي، بل يندرج ضمن دعم المسار السياسي الذي ترعاه المنظمة الدولية.
قرار باماكو يأتي في سياق إقليمي ودولي يتسم بإعادة ترتيب التحالفات، خاصة في منطقة الساحل، حيث تبحث الدول عن شركاء موثوقين قادرين على تقديم حلول واقعية لأزمات الأمن والتنمية. وفي هذا السياق، يبدو أن المغرب نجح في ترسيخ موقعه كفاعل محوري، مستفيدًا من دبلوماسية نشطة ورؤية استراتيجية طويلة المدى.
من جهة أخرى، يحمل هذا القرار دلالات قوية على تراجع الطرح الانفصالي داخل القارة الإفريقية، حيث يتزايد عدد الدول التي تعيد النظر في مواقفها السابقة، إما عبر سحب الاعتراف أو تجميده، مقابل دعم متنامٍ لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ختامًا، لا يمكن قراءة قرار مالي بمعزل عن التحولات العميقة التي تشهدها إفريقيا اليوم. فهو ليس مجرد موقف دبلوماسي، بل تعبير عن وعي سياسي جديد يتجه نحو تغليب منطق الاستقرار والوحدة الترابية، في مواجهة مشاريع التقسيم التي أثبتت فشلها في تحقيق التنمية أو ضمان الأمن.




