العالمالمغرب

فوكس” ومرض الخوف من الطماطم المغربية.. عندما يتحول العجز السياسي إلى عداء اقتصادي


يواصل حزب Santiago Abascal اليميني المتطرف، عبر بوابة حزب Vox، تصعيد خطابه العدائي تجاه المغرب، وهذه المرة تحت غطاء “حماية الفلاح الإسباني”، في محاولة جديدة لتحويل التوترات الاقتصادية إلى مادة للتحريض السياسي والشعبوية الانتخابية.
المثير في خطاب “فوكس” ليس فقط عداؤه المتكرر للمغرب، بل الطريقة التي يحاول بها تسويق المنافسة الفلاحية المغربية وكأنها “خطر قومي” يهدد إسبانيا، بينما الحقيقة أبسط وأكثر إحراجاً لليمين المتطرف: المغرب نجح في بناء نموذج فلاحي تصديري تنافسي، يعتمد على البنية التحتية والاستثمار والتحديث، في وقت تعاني فيه قطاعات إسبانية من اختلالات داخلية مرتبطة بارتفاع التكاليف والأزمات المناخية والتحولات الاقتصادية الأوروبية.
اليمين المتطرف، بطبيعته، يحتاج دائماً إلى “عدو خارجي” يعلّق عليه فشله السياسي. مرة يكون المهاجر، ومرة المسلم، ومرة الاتفاقيات التجارية، واليوم أصبحت الطماطم المغربية والأفوكادو والمنتجات البحرية هدفاً لحملة تعبئة قومية، وكأن الأزمة الزراعية الإسبانية سببها المغرب، لا السياسات الاقتصادية الأوروبية ولا التحولات البنيوية داخل السوق الإسبانية نفسها.
الأخطر في خطاب “فوكس” أنه لا يناقش المنافسة بمنطق اقتصادي عقلاني، بل بمنطق الهوية والخوف والكراهية. فالحزب لا يخفي عداءه الثقافي والسياسي للمغرب، ويحاول باستمرار استثمار أي ملف اقتصادي لتحويله إلى معركة أيديولوجية ضد الجار الجنوبي. وهذا النوع من الخطاب لا يضر فقط بالعلاقات المغربية الإسبانية، بل يهدد أيضاً مناخ التعاون داخل الفضاء المتوسطي، الذي يقوم أساساً على التكامل الاقتصادي وتبادل المصالح.
وإذا كان المغرب يصدر منتجاته إلى الأسواق الأوروبية، فلأنها تستجيب لمعايير الجودة والسعر والطلب، وليس عبر “مؤامرة” كما يحاول اليمين المتطرف تصوير الأمر. السوق الأوروبية ليست جمعية خيرية، بل فضاء تنافسي تحكمه القوانين والعقود والاتفاقيات. ومن غير المنطقي أن يطالب حزب يدّعي الدفاع عن الليبرالية الاقتصادية بإغلاق الأبواب كلما ظهرت منافسة أقوى أو أقل تكلفة.
ثم إن المفارقة الساخرة تكمن في أن عدداً من الشركات الإسبانية نفسها تستثمر في المغرب، وتستفيد من الشراكات الزراعية والبحرية والتجارية معه، لأن المصالح الاقتصادية الحقيقية تُبنى بمنطق الربح والتعاون، لا بمنطق الشعارات الانتخابية والانفعالات القومية.
ما يقوم به “فوكس” اليوم ليس دفاعاً عن الفلاح الإسباني بقدر ما هو استثمار سياسي في الخوف. فالأحزاب الشعبوية تنمو عادة في لحظات القلق الاقتصادي، وتحاول توجيه غضب الشارع نحو “الآخر” بدل مساءلة السياسات الداخلية. والمغرب، بحكم قربه الجغرافي ونجاحه الاقتصادي المتصاعد في بعض القطاعات، أصبح هدفاً مثالياً لهذا الخطاب المتطرف.
لكن الوقائع على الأرض تقول شيئاً آخر: العلاقات المغربية الإسبانية أكبر من مزايدات حزب متطرف، والتعاون الاقتصادي بين البلدين أصبح ضرورة استراتيجية للطرفين، سواء في التجارة أو الأمن أو الطاقة أو الهجرة أو الاستثمار. أما خطاب الكراهية الاقتصادية، فقد يحقق ضجيجاً إعلامياً مؤقتاً، لكنه لا يستطيع إيقاف منطق المصالح ولا حركة الأسواق ولا حقائق الجغرافيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى