عندما تصبح المصداقية شعارا انتخابيا: المنصوري تكتشف العالم القروي قبل موعد التصويت

يبدو ان موسم الانتخابات في المغرب لا يغير فقط الوجوه والشعارات، بل يغير ايضا ذاكرة السياسيين. فمع اقتراب موعد التصويت، اكتشفت فاطمة الزهراء المنصوري ان حزب الاصالة والمعاصرة يتمتع بـ”المصداقية” التي بناها خلال 18 سنة، وان كوادره يشتغلون ليلا ونهارا، وان حب الوطن هو القاسم المشترك بينهم، وان العالم القروي يحظى باهتمام كبير من الحزب.
كلام جميل جدا… لدرجة ان المواطن قد يظن للحظة انه كان يعيش في بلد آخر طوال السنوات الماضية.
عن اي مصداقية نتحدث؟ المصداقية ليست كلمة تلقى فوق منصة انتخابية، ولا شهادة تمنحها الاحزاب لنفسها. المصداقية تبنيها النتائج، وتحاسب عليها الملفات، ويقيسها المواطن من خلال ما يراه في حياته اليومية. وعندما يصبح الحديث عن “النزاهة” متزامنا مع نقاشات لا تنتهي حول شبهات الفساد وتدبير المال العام والصفقات وتضارب المصالح، فمن حق المواطن ان يسال: هل نحن امام واقع جديد، ام امام محاولة جديدة لاعادة طلاء الصورة قبل الانتخابات؟
اما الحديث عن كوادر تشتغل ليلا ونهارا، فليت المواطن يرى شيئا من هذا العمل في حياته اليومية. لان المواطن لا يقيس السياسي بعدد الاجتماعات التي يحضرها، ولا بعدد الصور التي تنشرها الصفحات، بل بما تغير فعلا في الحي والقرية والمدينة. السياسي الذي يختفي معظم الوقت ثم يظهر بقوة عندما تقترب صناديق الاقتراع، يصبح من حق المواطن ان يساله: اين كنتم عندما لم تكن هناك اصوات انتخابية تحتاجونها؟
ثم نصل الى “حب الوطن”.
يا له من شعار نبيل حين يكون الوطن هو المواطن، وليس فقط المشاريع والصفقات والاستثمارات والمناصب. الوطن ليس منصة انتخابية، ولا لافتة تعلق في قاعة، ولا عبارة تصلح للتصفيق. حب الوطن يبدأ عندما يشعر المواطن ان كرامته محفوظة، وان ابنه يستطيع ان يجد عملا، وان الفلاح يستطيع ان يعيش من ارضه، وان سكان القرى لا يعاملون باعتبارهم مجرد ارقام تظهر اهميتها في موسم الانتخابات.
اما العالم القروي، فلا يحتاج الى خطب طويلة حتى يشرح وضعه. يكفي ان تخرج قليلا من المدن الكبرى، وستجد مناطق ما زالت تعاني من طرق متعبة، ونقص في الخدمات، وصعوبة الولوج الى الصحة والتعليم والنقل والماء وفرص الشغل. هناك قرى يشعر سكانها ان الزمن توقف عندها، بينما تصل اليها خطابات التنمية بسرعة الضوء كلما اقترب موعد الانتخابات.
والحديث عن تراخيص البناء لا يخلو هو الاخر من مفارقة. المواطن الذي يريد بناء بيت بسيط لاسرته قد يجد نفسه غارقا في المساطر والوثائق والمنع والتعقيدات، بينما يسمع في الخطاب السياسي عن تسهيل التراخيص وكأن المغرب تحول فجاة الى جنة عمرانية مفتوحة الابواب.
اما “محاربة الريع”، فهذه ربما اكثر العبارات التي تحتاج الى تدقيق. لان المواطن لم يعد يكتفي بسماع ان الريع سيحارب، بل يريد ان يعرف: من استفاد؟ ومن استفاد اكثر؟ وكيف توزع المشاريع والصفقات والامتيازات؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تختلط السياسة بالاقتصاد وتتحول بعض المشاريع الى بوابة للنفوذ؟
ان تقول لحزب سياسي “حاربوا الريع” شيء، وان تطلب منه ان يقدم للناس صورة واضحة عن علاقاته ومصالحه وشبكات النفوذ حوله شيء آخر تماما.
ثم جاء فوزي لقجع ليحدثنا عن “مغرب بسرعتين”، وعن ضرورة تشخيص المشاكل للوصول الى مغرب يسير بسرعة واحدة، بل “فائقة السرعة”.
جميل.
لكن المواطن قد يسال سؤالا بسيطا: اذا كنا نريد مغربا بسرعة واحدة، فلماذا تبدو بعض المدن وكأنها تسافر في قطار سريع، بينما تظل جهات اخرى تنتظر حتى وصول القطار اصلا؟
لماذا تتجمع المشاريع الكبرى والملاعب والمنشآت الرياضية في مدن بعينها، بينما تظل مناطق اخرى تكافح من اجل ابسط شروط التنمية؟ لماذا لا تكون الجهات الهشة هي الاولى بالاستثمار في البنية التحتية الرياضية والثقافية والاجتماعية، بدل ان تظل دائما في الصف الاخير عندما يتعلق الامر بالمشاريع الكبرى؟
لا يكفي ان نقول للمواطن: “شخص مشكلتك واقترح الحل”. المواطن شخص مشكلته منذ سنوات، وربما حفظ تفاصيلها اكثر من المسؤول نفسه. ما ينقصه ليس التشخيص، بل المسؤول الذي يملك الارادة والقدرة على تحويل التشخيص الى قرار وميزانية ومشروع ونتيجة.
المشكلة في المغرب ليست دائما اننا لا نعرف المشاكل. المشكلة اننا نعرفها جيدا، ونتحدث عنها كثيرا، وننظم حولها الندوات واللقاءات، ثم نعود لنكتشفها من جديد في الانتخابات المقبلة.
كفى من اللعب بالكلمات.
المواطن لا يريد “مغربا بسرعتين” ولا “مغربا بسرعة فائقة” في الخطابات. يريد مغربا يشعر فيه ان الدولة موجودة في قريته كما هي موجودة في المدن الكبرى، وان التنمية ليست موسما انتخابيا، وان العالم القروي ليس خزان اصوات، وان محاربة الريع ليست جملة للاستهلاك، وان حب الوطن لا يقاس بعدد مرات ترديد العبارة فوق المنصة.
والاهم من كل ذلك، ان المصداقية لا تعلن من فوق المنصة… المصداقية اما ان يراها المواطن في حياته، او لا يراها ولو علقت كل شوارع البلاد بالشعارات.




