
لم يعد سوق الماشية مجرد فضاء للبيع والشراء واقتناء أضحية العيد، بل تحول في عدد من المدن المغربية إلى مرآة تعكس حجم الاحتقان الاجتماعي والضغط الاقتصادي الذي يعيشه المواطن. وما شهدته رحبة بنسودة بمدينة فاس صباح الاثنين، من مشادات وتدافع ورشق بالحجارة بين مواطنين وكسابة، لم يكن حادثاً معزولاً أو مجرد “فوضى عابرة”، بل مؤشر واضح على حجم التوتر الذي يخلفه الارتفاع الصاروخي في أسعار الأضاحي هذه السنة.
فالمغاربة الذين يدخلون الأسواق في مثل هذه المناسبات كانوا يحملون دائماً هاجس “الثمن”، لكنهم اليوم يدخلونها وهم يحملون أيضاً غضباً مكتوماً وشعوراً بالعجز أمام أسعار تجاوزت القدرة الشرائية لفئات واسعة. وحين يصبح ثمن “الحولي” يعادل أجرة شهرين أو ثلاثة بالنسبة لعدد من الأسر، فإن السوق يتحول تلقائياً من فضاء للتبضع إلى فضاء للاحتقان الاجتماعي.
اللافت في ما جرى ببنسودة أن حالة الغضب لم تعد موجهة فقط نحو الوسطاء أو “الشناقة”، بل امتدت إلى كل حلقات السوق، في ظل شعور عام بأن هناك انفلاتاً حقيقياً في الأسعار وغياباً لأي آليات فعالة للمراقبة والتنظيم. فالمواطن البسيط لا يفهم كثيراً تعقيدات الأعلاف والجفاف وسلاسل التوزيع، بقدر ما يرى أن دخله ثابت بينما الأسعار تواصل الصعود بشكل غير مسبوق.
صحيح أن الكسابة بدورهم يشتكون من ارتفاع تكاليف التربية والنقل والأعلاف، ومن سنوات الجفاف المتتالية التي أثرت على القطيع الوطني، لكن هذا التبرير لم يعد كافياً لامتصاص غضب المستهلكين، خاصة في ظل الإحساس بوجود مضاربات ووسطاء يرفعون الأسعار بشكل مبالغ فيه مع اقتراب عيد الأضحى.
ما وقع في سوق بنسودة يعكس أيضاً أزمة ثقة متنامية بين المواطن والسوق. فالكثير من الأسر المغربية أصبحت تنظر إلى مناسبة العيد، التي يفترض أن تكون لحظة فرح وتضامن، باعتبارها موسماً للضغط النفسي والاستنزاف المالي. بعض الآباء يدخلون الأسواق وهم يعلمون مسبقاً أنهم قد يخرجون بخيبة أو بدين جديد، فقط حتى لا يشعر أطفالهم بأنهم مختلفون عن باقي الأسر.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع قد يحول الأسواق الشعبية إلى بؤر توتر اجتماعي قابلة للانفجار في أي لحظة، خصوصاً مع تزايد الإحساس بالهشاشة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل عام، من مواد غذائية ومحروقات ونقل، وصولاً إلى الأضاحي التي أصبحت بالنسبة لكثيرين “حلماً موسمياً” أكثر منها شعيرة دينية مرتبطة بالاستطاعة.
إن ما جرى في فاس ليس مجرد شجار داخل سوق، بل رسالة اجتماعية واضحة: حين تتآكل القدرة الشرائية ويغيب الإحساس بالعدالة الاقتصادية، يصبح الغضب أقرب إلى الانفجار. والأسواق، التي كانت تقاس فيها الأسعار بالكيلوغرام، أصبحت اليوم تقاس فيها أيضاً درجات الاحتقان الشعبي.




