تعديلات مقترحة تُعيد رسم ملامح مهنة العدول بالمغرب

تعود مهنة العدول إلى واجهة النقاش التشريعي، على وقع تعديلات قانونية مقترحة من طرف مستشارين برلمانيين من صفوف المعارضة، تستهدف مشروع القانون التنظيمي رقم 16.22 المتعلق بتنظيم هذه المهنة. تعديلات لا تقف عند حدود الصياغة القانونية، بل تمس جوهر التحولات المجتمعية واللغوية التي يعرفها المغرب.
أبرز هذه المقترحات يفتح الباب أمام إمكانية تحرير العقود والوثائق العدلية باللغة الأمازيغية، إلى جانب العربية، وهو ما يُعد خطوة ذات حمولة رمزية ودستورية قوية، خاصة بعد ترسيم الأمازيغية كلغة رسمية في دستور 2011. هذا التوجه، إن تم اعتماده، لن يكون مجرد تعديل تقني، بل يعكس تحولا في تصور العدالة اللغوية داخل المرفق القضائي، ويعزز من ولوج فئات واسعة من المواطنين إلى خدمات العدول بلغتهم الأم، خصوصاً في المناطق ذات الغالبية الأمازيغية.
في المقابل، تثير هذه الخطوة تساؤلات مهنية وتقنية، ترتبط أساساً بمدى جاهزية المنظومة العدلية لاستيعاب هذا التعدد اللغوي، من حيث التكوين، والمصطلحات القانونية، وضمان توحيد الفهم والتأويل بين مختلف المتدخلين في العملية التوثيقية.
التعديل الثاني اللافت يتعلق بإمكانية إعفاء موظفي الدولة، الحاصلين على الشهادات المطلوبة، من اجتياز مباراة ولوج مهنة العدول، بشكل مشروط. مقترح يهدف، حسب داعميه، إلى تثمين الكفاءات الإدارية والقانونية داخل الوظيفة العمومية، وفتح آفاق مهنية جديدة أمامها. غير أن هذا التوجه قد يثير بدوره نقاشاً حول مبدأ تكافؤ الفرص، وضمان الشفافية والاستحقاق في الولوج إلى مهنة حساسة ترتبط مباشرة بحقوق المواطنين وممتلكاتهم.
وفي ظل استمرار التنصيص، في المادة 58 من المشروع، على أن اللغة العربية تظل لغة تحرير العقود، مع إمكانية الإشارة إلى لغة التلقي، تبدو هذه التعديلات وكأنها تسعى إلى إحداث توازن بين الحفاظ على وحدة اللغة القانونية، والانفتاح على التعدد اللغوي الذي يميز المجتمع المغربي.
بين دعوات التحديث والحفاظ على الضوابط المهنية، يقف مشروع هذا القانون عند مفترق طرق حقيقي: إما أن يشكل خطوة نحو عدالة أكثر شمولاً وإنصافاً، أو أن يفتح نقاشاً جديداً حول حدود الإصلاح الممكن داخل مهنة تقليدية تتأرجح بين الأصالة ومتطلبات العصر.




