العالم

بوركينا فاسو توقف مشروع البعوض المعدل جينياً.. رسالة سيادية ضد “الهندسة البيئية المفروضة”

قرار حكومة بوركينا فاسو بإيقاف وإخراج مشروع أبحاث الملاريا المدعوم من مؤسسة بيل غيتس، والمتعلق بإطلاق بعوض معدل جينياً، لا يمكن قراءته كحدث تقني عابر، بل كخطوة سياسية تعكس رفضاً متزايداً داخل إفريقيا لما يعتبره كثيرون تدخلاً خارجياً في البيئات المحلية تحت غطاء البحث العلمي.

الموقف الذي اتخذته السلطات البوركينابية يُقدَّم اليوم باعتباره تعبيراً واضحاً عن سيادة الدولة على مجالها البيئي والجيني، ورفض تحويل أراضيها إلى فضاء مفتوح لتجريب تقنيات حيوية معقدة قد تكون آثارها بعيدة المدى وغير قابلة للضبط لاحقاً.

فالمشروع، مهما قُدم في إطار “مكافحة الملاريا”، يقوم على إدخال كائنات معدلة جينياً إلى الطبيعة، وهو ما يطرح من وجهة نظر منتقديه إشكالات خطيرة تتعلق بالتوازن البيئي، وإمكانية انتشار غير متحكم فيه لتأثيرات التعديل الجيني خارج النطاق التجريبي، في بيئة هشة ومعقدة مثل البيئة الإفريقية.

كما أن جوهر الانتقاد لا يتعلق فقط بالتقنية، بل بطريقة تمرير مثل هذه المشاريع في دول الجنوب، حيث يُتهم الفاعلون الدوليون أحياناً بالاستفادة من ضعف البنيات التنظيمية والرقابية لفرض مشاريع لا يمكن تصور تطبيقها بنفس الشكل في دول الشمال، حيث تُواجه بقيود صارمة ومعايير أكثر تحفظاً.

من هذا المنظور، يبدو قرار بوركينا فاسو بمثابة محاولة لاستعادة زمام القرار العلمي داخل حدودها، وإعادة طرح سؤال قديم جديد: من يقرر شكل التجارب التي تُجرى فوق التراب الإفريقي؟ وهل يمكن قبول مشاريع ذات طبيعة جينية عالية الحساسية دون سيطرة محلية كاملة على تفاصيلها ومخاطرها؟

القرار، إذن، ليس مجرد رفض لمشروع محدد، بل رسالة سياسية أوسع ضد نموذج من “التدخل العلمي العالمي” الذي يُنظر إليه كغير متوازن، ويمنح الأولوية للخبرة والتمويل الخارجي على حساب السيادة والمعرفة المحلية.

وفي النهاية، تعكس هذه الخطوة تصاعد تيار داخل بعض الدول الإفريقية يطالب بإعادة تعريف العلاقة مع المؤسسات البحثية الدولية، على أساس الشراكة الحقيقية لا التجريب غير المتكافئ، وعلى أساس السيادة البيئية الكاملة لا القبول المشروط بمشاريع تُطرح غالباً باسم التنمية والصحة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى