من ماناغوا إلى الأمم المتحدة.. المغرب ينقل ملف الصحراء من “نزاع سياسي” إلى “مشروع تنموي دولي”

لم تعد قضية الصحراء المغربية تُدار فقط داخل أروقة السياسة التقليدية أو عبر منطق البيانات الدبلوماسية الكلاسيكية، بل دخل المغرب خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة تقوم على تحويل الملف من مجرد نزاع إقليمي مفتعل إلى نموذج تنموي واستراتيجي يحظى بدعم دولي متزايد.
مشاركة الوفد المغربي في المؤتمر الإقليمي للجنة الـ24 التابعة للأمم المتحدة بماناغوا في نيكاراغوا، تحمل أكثر من رسالة سياسية في هذا التوقيت بالذات. فالمغرب لا يذهب فقط للدفاع عن وحدته الترابية، بل ليؤكد أن الأقاليم الجنوبية أصبحت جزءاً من دينامية اقتصادية وتنموية متكاملة، تتجاوز خطاب الشعارات الإيديولوجية الذي استهلكته جبهة البوليساريو لعقود.
اللافت في هذه المشاركة ليس فقط الحضور الدبلوماسي المغربي القوي بقيادة السفير عمر هلال، بل استمرار حضور منتخبين من الصحراء المغربية داخل أشغال اللجنة للسنة الثامنة على التوالي، في خطوة تعكس تحولاً عميقاً داخل المنتظم الدولي. فبعد سنوات كانت فيها البوليساريو تحاول احتكار تمثيل سكان الصحراء داخل مثل هذه المحافل، أصبح أبناء الأقاليم الجنوبية أنفسهم يشاركون بشكل مباشر لعرض واقع التنمية والاستقرار الذي تعرفه المنطقة.
وهنا تكمن الضربة السياسية الحقيقية لخصوم المغرب: الانتقال من خطاب “التمثيل الوهمي” إلى حضور منتخبين شرعيين منتخبين من السكان أنفسهم.
كما أن توقيت المؤتمر يأتي بعد القرار 2797 لمجلس الأمن، الذي عزز بشكل واضح مقاربة الحل السياسي الواقعي المبني على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو القرار الذي شكل انتكاسة جديدة للأطروحات الانفصالية التي ظلت تراهن على منطق الاستفتاء والشعارات القديمة رغم التحولات الدولية.
المغرب اليوم لا يتحرك فقط بمنطق الدفاع، بل بمنطق الدولة الواثقة من موقعها الدولي. لذلك لم يعد يكتفي بالرد على خصومه، بل أصبح يفرض أجندته السياسية والتنموية داخل المنتديات الدولية، مستنداً إلى دعم متزايد من أكثر من 130 دولة عبر العالم، بينها قوى دولية وازنة.
الأكثر إزعاجاً لخصوم الوحدة الترابية أن المغرب لم يعد يقدم الصحراء كملف أمني أو سياسي فقط، بل كمجال استثماري واستراتيجي ضخم يرتبط بالطاقات المتجددة والاقتصاد الأزرق والبنيات التحتية والموانئ وتحلية المياه، وهي مشاريع تجعل الأقاليم الجنوبية تتحول تدريجياً إلى قطب اقتصادي إفريقي على واجهة الأطلسي.
وفي المقابل، تبدو أطروحة الانفصال اليوم وكأنها تعيش خارج الزمن السياسي الدولي، بعدما أصبحت لغة التنمية والاستقرار والشراكات الاقتصادية أكثر تأثيراً من خطابات الحرب الباردة والشعارات الثورية القديمة.
مؤتمر ماناغوا ليس مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل حلقة جديدة في مسار يكرس انتقال المغرب من الدفاع عن الصحراء إلى فرض واقع سياسي وتنموي جديد يجعل خصومه يواجهون عزلة متزايدة داخل المنتظم الدولي.




