المياه بين الوفرة والتحديات: الواردات المائية بالمغرب

أفاد وزير التجهيز والماء، نزار بركة، أن الواردات المائية المسجلة من شتنبر الماضي حتى 20 يناير الجاري بلغت حوالي 4 مليارات و70 مليون متر مكعب، منها 3 مليارات و600 مليون متر مكعب خلال الأربعين يوماً الأخيرة. هذه الأرقام ليست مجرد بيانات، بل نافذة لرؤية أعمق على علاقة المغرب بمياهه، وعلى التحديات التي تواجه الموارد المائية في بلد يتقلب بين الجفاف والسيول.
في الأسابيع الأخيرة، أتاح التساقط المطري الغزير تعويض جزء من الخزانات والسدود، وهو ما ينعكس في هذه الزيادة الكبيرة في الواردات المائية. لكن هذه الظاهرة المؤقتة لا تعني أن المخاطر قد زالت، فالمغرب يظل عرضة لتقلبات مناخية حادة، ما يجعل إدارة المياه قضية استراتيجية ووجودية في الوقت ذاته. كل متر مكعب إضافي ليس مجرد رقم، بل يمثل حياة المدن والقرى، واستدامة الزراعة، وضمان إنتاج الطاقة الكهرمائية.
العبرة من هذه الأرقام تكمن أيضاً في القدرة على التخطيط والإدارة. تحقيق الاستفادة القصوى من الموارد المائية يتطلب تكاملاً بين التخزين في السدود، والتوزيع العادل للمياه بين القطاعات، والحد من الهدر، وتحديث بنيات الري التقليدية. فالوفرة المؤقتة لا تعني الاستهلاك اللامسؤول، بل دعوة لاستثمار هذه الموارد بشكل مستدام.
كما تكشف هذه البيانات عن أهمية المراقبة الدقيقة للظواهر المناخية. أربعون يوماً من الأمطار كانت كافية لتعويض جزء كبير من الواردات المائية، وهذا يضعنا أمام سؤال جوهري: هل يمكن للمغرب الاستعداد لمواجهة فترات الجفاف الطويلة المقبلة بنفس الفعالية؟ الإدارة الذكية للمياه والتقنيات الحديثة مثل التنبؤ بالهطول وإعادة استخدام المياه المستعملة أصبحت ضرورة لا خياراً.
الأرقام التي كشف عنها وزير التجهيز والماء تؤكد مرة أخرى أن المغرب يعيش على صفيح رقيق بين الوفرة المؤقتة والتحديات المستمرة. لذلك، كل قطرة ماء تُحفظ اليوم، وكل سد يُدار بحكمة، ليس فقط لضمان الأمن المائي الحالي، بل لنسل الأجيال القادمة التي ستعتمد على هذه القرارات.
المياه في المغرب ليست مجرد مورد طبيعي، بل قضية حياة واستقرار واستدامة. وما يهم الآن ليس فقط حجم الأمطار، بل القدرة على تحويل هذه الموارد المؤقتة إلى استراتيجية طويلة الأمد تضمن الأمن المائي، وتعزز قدرة المجتمع على مواجهة التحديات المناخية القادمة.




