المغرب

من الاستقالة إلى المحاسبة.. هل يكفي أن يغادر الوزراء بعد كل هذا الخراب؟

بقلم: المسكين يوسف

في الدول التي تحترم السياسة باعتبارها مسؤولية لا امتيازاً، تكون الاستقالة أول خطوة في مسار المحاسبة، لا نهايته. أما في المغرب، فقد تحولت الاستقالة نفسها إلى حدث نادر يُقدَّم أحياناً وكأنه تضحية تاريخية، رغم أن حجم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المواطن كان يفترض أن يفتح نقاشاً أوسع: من سيحاسب المسؤولين عن هذا الكم من الإخفاقات؟

تصريحات وزير العدل الأسبق مصطفى الرميد بخصوص ملف غلاء الأضاحي، حين قال إن استقالة وزير الفلاحة “أضعف الإيمان”، أعادت إلى الواجهة سؤالاً أكبر من مجرد قطاع أو وزير: هل يكفي أن يغادر المسؤول منصبه بعد سنوات من القرارات الفاشلة والتصريحات المتناقضة، بينما يبقى المواطن وحده من يؤدي الثمن؟

المغاربة اليوم لا يعيشون أزمة معزولة، بل تراكم أزمات متتالية. أسعار ملتهبة، بطالة متزايدة، تراجع القدرة الشرائية، ارتباك في قطاعات حيوية، ووعود حكومية تحولت مع الوقت إلى مادة للسخرية اليومية في الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي. ومع كل أزمة، يخرج وزير أو مسؤول ليقدم تبريرات جاهزة، أو أرقاماً وردية، أو وعوداً جديدة، ثم يختفي النقاش دون أي مساءلة حقيقية.

في ملف الأضاحي مثلاً، قيل للمغاربة إن هناك “وفرة في القطيع”، وإن دعم استيراد الأغنام سيخفض الأسعار، لكن النتيجة كانت أسواقاً شبه فارغة وأسعاراً صاروخية. وفي ملف التشغيل، سمع المواطن وعوداً بآلاف المناصب والفرص، بينما البطالة تتوسع واليأس يكبر. وفي النقل، تتحدث الحكومة عن “رضا المواطنين” في الوقت الذي يتحول فيه التنقل اليومي إلى معاناة مفتوحة.

السؤال الذي يطرحه الشارع اليوم لم يعد: “من سيستقيل؟”، بل: “من سيحاسب؟”. لأن الاستقالة، حتى لو حدثت، لا تعوض الأموال التي صُرفت دون نتائج، ولا تعيد الثقة التي تآكلت، ولا تصلح الضرر الاجتماعي والنفسي الذي خلفته سنوات من السياسات المرتبكة.

الأخطر أن بعض الوزراء يتصرفون وكأن المناصب الحكومية مجرد مرحلة عابرة بلا تبعات، فيقدمون الوعود بلا حساب، ويطلقون التصريحات المستفزة بلا حرج، ثم يغادرون لاحقاً إلى مناصب أخرى أو إلى صمت مريح، بينما يبقى المواطن حاملاً لفواتير الغلاء والبطالة وتدهور الخدمات.

إن ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس شعاراً دستورياً للتزيين في الخطب الرسمية، بل مبدأ يفترض أن يشعر به المواطن في الواقع. فحين يفشل قطاع حيوي رغم الميزانيات الضخمة والدعم العمومي، وحين تتحول الوعود إلى عكسها تماماً، يصبح من الطبيعي أن يُفتح نقاش حقيقي حول المسؤوليات السياسية والإدارية، لا مجرد الاكتفاء بتغيير الوجوه.

المغاربة لم يعودوا يطالبون بخطابات مطمئنة أو أرقام منمقة، بل بمحاسبة فعلية تعيد بعض الثقة في العمل السياسي. لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي حكومة ليس الغلاء أو ضعف الخدمات فقط، بل أن يشعر المواطن بأن لا أحد يُحاسب مهما كان حجم الفشل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى