الطلاق في المغرب.. هل أنصفت القوانين الأسرة أم ساهمت في تفكيكها؟

أكثر من 154 ألف قضية طلاق وتطليق سجلتها محاكم المغرب خلال سنة 2025، وفق المعطيات المنشورة عن التقرير السنوي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية. رقم يعيد إلى الواجهة سؤالا حساسا يتجاوز حدود الإحصاء القضائي إلى طبيعة التحولات التي تعرفها الأسرة المغربية، والعلاقة بين القانون والثقافة والقيم الاجتماعية.
وبينما يرى البعض أن هذه الأرقام تعكس أزمة في التواصل والمسؤولية داخل الحياة الزوجية، يذهب آخرون إلى أن القوانين الجديدة والخطاب الذي يرفعه بعض دعاة الحداثة ساهمَا في تغيير مفهوم الزواج، وتحويله من رابطة تقوم على الصبر والتضامن إلى علاقة أصبح إنهاؤها خيارا حاضرا بقوة عند أولى الأزمات.
هذا الرأي لا يمكن تجاهله أو إسكات أصحابه بدعوى الدفاع عن حقوق المرأة، كما لا ينبغي اعتباره حقيقة محسومة دون مناقشة. فمن حق المجتمع أن يسأل عن آثار التشريعات الأسرية، ومن حقه أيضا أن يناقش الخطاب الثقافي الذي يؤطر العلاقات بين الرجل والمرأة، بعيدا عن التخوين والتخوين المضاد.
لقد شكلت مدونة الأسرة لسنة 2004 تحولا مهما في تنظيم العلاقات الزوجية، من خلال توسيع إمكانات اللجوء إلى القضاء، وإقرار مساطر جديدة للطلاق والتطليق، وتعزيز حقوق المرأة ومسؤولية الزوجين المشتركة. ومن الطبيعي أن يكون لهذا التحول أثر في الطريقة التي تنتهي بها العلاقات الزوجية، خصوصا أن التطليق للشقاق أصبح المسطرة المهيمنة على ملفات التطليق المعروضة أمام المحاكم
لكن هل يعني ذلك أن القانون هو المسؤول عن انهيار الأسر؟ ليس بالضرورة. فالقانون قد يجعل الانفصال ممكنا من الناحية الإجرائية، لكنه لا يخلق وحده الخلافات التي تدفع الزوجين إلى المحكمة. وهنا ينبغي التمييز بين قانون يتيح إنهاء علاقة متعثرة، وبين عوامل اقتصادية ونفسية واجتماعية وثقافية قد تكون ساهمت أصلا في وصولها إلى طريق مسدود.
ومع ذلك، فإن السؤال عن التوازن بين الحقوق والواجبات يظل مشروعا. فكل خطاب يدعو إلى تمكين أحد الطرفين من حقوقه، دون التشديد بالقدر نفسه على مسؤولياته تجاه الأسرة والأطفال، قد يساهم في تكريس فهم انتقائي للعلاقة الزوجية. وليس المقصود هنا أن المرأة مسؤولة عن استقرار البيت وحدها، أو أن الرجل ينبغي أن يحتفظ بسلطة مطلقة، بل إن الزواج شراكة لا تستقيم إذا تحولت الحقوق إلى مطالب متبادلة، بينما تراجعت ثقافة التضحية والتفاهم وتحمل المسؤولية.
أما الذين يستحضرون الماضي باعتباره زمنا كانت فيه الأسرة أكثر تماسكا، فعليهم هم أيضا أن يتأملوا الصورة كاملة. صحيح أن الانفصال لم يكن حاضرا في النقاش العام بالشكل الذي نراه اليوم، لكن الضغط الاجتماعي والاعتماد الاقتصادي والخوف من نظرة المجتمع كانت عوامل قد تدفع بعض الأزواج إلى الاستمرار في علاقات مؤلمة. ولذلك، فإن بقاء الزواج ليس دائما دليلا على نجاحه، كما أن انتهاؤه ليس بالضرورة دليلا على فشل القيم أو فساد المجتمع.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول النقاش إلى معركة أيديولوجية بين من يقدمون أنفسهم حماة للأسرة ومن يصفون أنفسهم بالحداثيين. فليس كل دفاع عن حقوق المرأة حربا على الأسرة، كما أن ليس كل تمسك بالقيم التقليدية دفاعا عن الظلم. المطلوب هو الاحتكام إلى النتائج والمعطيات، ومناقشة القوانين بجرأة ومسؤولية، بعيدا عن الشعارات التي تجعل كل نقد للمدونة اعتداء على المرأة، أو تجعل كل مطالبة بالمساواة مؤامرة على الرجل.
إن الأسرة المغربية تحتاج اليوم إلى مراجعة هادئة وشجاعة، لا تكتفي بتعديل النصوص القانونية، بل تبحث أيضا في أسباب الخلافات الزوجية، وفي أثر الضغوط الاقتصادية، وتراجع الحوار، وتغير التوقعات، وضعف الاستعداد لتحمل المسؤولية. كما تحتاج إلى وساطة أسرية فعالة، وإلى توعية المقبلين على الزواج بأن الارتباط ليس مناسبة اجتماعية عابرة، بل التزام يومي يتطلب النضج والاحترام والقدرة على حل النزاعات.
ومن الضروري كذلك تقييم أثر مدونة الأسرة على الاستقرار الزوجي بالاعتماد على دراسات مقارنة وبيانات دقيقة، تأخذ في الحسبان عدد عقود الزواج، ومعدلات الطلاق بالنسبة إليها، والتغيرات الديمغرافية والاجتماعية، والفوارق بين الجهات والفئات. فالأرقام الخام، مهما بدت كبيرة، لا تكفي وحدها لإثبات أن قانونا بعينه أو تيارا فكريا محددا هو المسؤول عن الظاهرة.
إن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه الجميع هو: كيف نحمي الأسرة دون أن نجعلها سجنا لأحد الزوجين؟ وكيف نضمن الحقوق دون أن نهمل الواجبات؟ وكيف نجدد القوانين بما يحقق العدل، دون أن نفقد القيم التي تجعل من الزواج رابطة قائمة على المودة والرحمة والتضامن؟
قد يكون من السهل إلقاء اللوم على القوانين أو على دعاة الحداثة، كما قد يكون من السهل تحميل المجتمع التقليدي مسؤولية كل ما يحدث. لكن الأصعب، والأكثر فائدة، هو الاعتراف بأن الأسرة المغربية تعيش تحولا عميقا، وأن مواجهته تتطلب أكثر من تبادل الاتهامات.
فاستقرار الأسرة لا يتحقق بإجبار الزوجين على البقاء معا، ولا بتسهيل الانفصال باعتباره نهاية عادية لكل خلاف، بل ببناء علاقة تحفظ الكرامة والحقوق، وتعزز المسؤولية المشتركة، وتمنح الزواج فرصة حقيقية للنجاح قبل أن يصبح الانفصال الخيار الأخير.




