الدرس الثالث خاص بمشروعية صلاة التراويح بيراع الفقيه الشيخ عبد اللطيف بوعلام

إنه للعجب ما بعده عجب أن يطلع علينا عبر وسائل التواصل الاجتماعي من المشايخ المَظْهريين في لباسهم بلحاهم الطويلة وقلنسواتهم الجميلة وعقائر أصواتهم العليلة منادين ببدعية اجتماع الناس لأداء صلاة التراويح إلى درجة الإنكار الشديد والوعيد في مخالفة أمر المصطفى الأمين صلى الله عليه وسلم الذي لم يُقِرّها ويفعلها في عهده، وفي كلامهم هذا دَخَنٌ وتلبيس إبليسي لصرف الناس عن سماعهم للخطاب الرباني وإخراجهم إلى المقاهي والمنتزهات، وانشغالهم باللهو والمسلسلات والمراهنة والتراهات، وهجرهم للقرآن بالمرة…
ابتداء القول بأن صلاة التراويح بدعة منكرة ليس بوارد البتة بدليل تجريح وتفسيق أحد الصحابة رضي الله عنه وأرضاه الذي أعز الله بهم الإسلام أقصد بالذكر الفاروق عمر بن الخطاب الذي جمع الناس على خيرها آمرا أٌبيّ بن كعب وتميماً الداري رضي الله عنهما أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة.
وغفلوا عما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الكتب الحديثية من أن الرسول صلى الله عليه وسلم قام بأصحابه ثلاث ليال، وفي الثالثة أو في الرابعة لم يُصلّ، وقال لهم: ” إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ “. والمانع كان من الاستمرار فيها، لا من مشروعيتها، وهو خوف أن تُفرض على الناس. قال النووي مُبَيِّنَ الإعراب في هذه المسألة: ” وَفِيهِ بَيَانُ كَمَالِ شَفَقَتِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأْْفَتِهِ بِأُمَّتِهِ “.
ولما توفي علم الهدى صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر رضي الله عنه منشغلاً بحروب المرتدين، وخلافته قصيرة لا تتعدى سنتين كما تطالعنا به كتب السيرة، وخلفه عمر من بعده، واستتب أمر المسلمين في عهد عدالته وأمانته وصلابته في الدين حتى مع أهله. جمع الناس على صلاة التراويح في رمضان كما كانوا قد اجتمعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذلك أن كل ما فعله هذا الصحابي الجليل هو العودة إلى تلك السنة وإحياؤها من جديد، فإن كانت هذه بدعة، فنِعْمَتِ البدعة هي في فضل جمع الناس على كتاب الله الذي يحصل به الأجر العظيم الأوفى، ولا سيما في هذا الشهر الفضيل الذي أُنْزِل فيه القرآن الكريم، وبالضبط في ليلة القدر .فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه: ” إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللهِ فَتَعَلَّمُوا مِنْ مَأْدُبَتِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ، إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ حَبْلُ اللهِ وَالنُّورُ الْمُبِينُ وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ، عِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، وَنَجَاةٌ لِمَنْ تَبِعَهُ، وَلاَ يَعْوَجُّ فَيُقَوَّمُ، وَلاَ يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبُ، وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلاَ يَخْلَقُ مِنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، فَاتْلُوهُ فَإنَّ اللهَ يَأْجُرُكْمْ عَلَى تِلاَوَتِهِ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ. أَمَا إنِّي لاَ أَقُولُ أَلِفٌ وَلاَمٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ عَشْرًا وَلاَمٌ عَشْرًا “.
وإذا نظرنا إلى عمل السلف، فإنهم كانوا يطيلون في القراءة في صلاة التراويح، وهذا هو الأفضل والأكمل، كما هو هدي النبي ﷺ مع مراعاتهم لأحكام تجويد الحروف ومعرفة المدود ومواطن الوقوف.
فعن السائب بن يزيد قال: “.. وَقَدْ كَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئَيْنِ حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلاَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ”. (صحيح رواه الإمام مالك.253).
لكن في زماننا هذا الذي ضعُفَت وخارت فيه عزائم الناس، وكثُرت هموم ومشاغل الدنيا، فالأسلم والأحوط هو التوسط في الصلاة بمقدار ثُمُنٍ، وهو الغالب أو ربع بحسب طلب المصلين لأن مقدار القراءة فيها ليس ثمة دليل عن النبي ﷺ في صفة معينة، فكل بحسب الوسع. إلا أن القراءة المحمودة ينبغي أن تكون بالتوسط، فلا تكون قراءة ثقيلة، فيشق ذلك على المصلين، فيخرجون ساخطين متذمرين ممن شَفَّع بهم، ولا تكون كذلك مُهَذْرَمَةً سريعة مُقَرْمَطَةً مٌؤدية لتآكل الحروف وقضمها كما يفعل العديد ممن لا حظ لهم في ضبط التجويد، ولا شك أن هضم الحروف مُوجِب لا محالة إلى الإثم الساعي إلى الهلاك والحتوف. ولقد استحب أهل العلم ختم القرآن في التراويح.
قال الطاهر عامر في التسهيل (157/5):
” يُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ أًنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَيُسْمِعَهُ لِلْمَأْمُومِينَ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحٍ “.
وعدد ركعاتها بحسب الوارد عن النبي ﷺ أنه كان يصلي (11) ركعة في رمضان، وفي غير رمضان، ولا يعني هذا أنه لا يجوز الزيادة عليها، بل حُكِي الإجماع على جواز الزيادة على إحدى عشر لمن أراد ذلك. ولئن قلنا باستحباب الزيادة وطول القيام، فلا ينبغي للإمام المشقة على المأمومين..
وتفعيلا للتيسير ورفع المشقة نجد بعض الأئمة يسرع في الصلاة، فلا يترك للمأموم أدنى فسحة تُمَكِّنُهُ من أن يأتي بالأذكار الواجبة في الركوع والسجود، ومُقابل ذلك هناك من الأئمة من يُطيل إطالة تشق على المأمومين، والواجب هو التوسط كما أشرنا إلى تحبيذ هذا التوجه من قبل.
وحاصل الأمر أن لا يكون في المسألة إفراط ولا تفريط، إذ الأول يؤدي إلى تنفير الجماعة من الصلاة، والثاني مُؤَدّ إلى عدم إعطاء الصلاة حقها مما يعني بطلانها بالمرة. هذا ما جادت به قريحتي الفجرية، وإلى درس تنويري آخر تَوَالٍيًا في هذه الأيام المباركة.
لا تنسوا تذكيري لكم بتوزيع هذه المقالات المفيدة على معارفكم، والدال على الخير كفاعله. وبه تمام الكلام، والسلام.




