
في الجزائر، يبدو أن بعض الملفات الأمنية لم تعد تحتاج فقط إلى محققين ومحاضر وأدلة، بل تحتاج أيضا إلى مخرج بارع، وسيناريو محكم، وموسيقى مشوقة، وجمهور مستعد للتصفيق في اللحظة المناسبة. فحين تضيق مساحة الإنجازات وتتسع دائرة الأسئلة، يصبح من المفيد، على ما يبدو، نقل النقاش من طوابير الحياة اليومية إلى خشبة مسرح الأمن، حيث المؤامرات لا تنام، والأعداء لا يستريحون، والبلاد محاطة دائما بمن يريد إفساد الحفل الوطني.
آخر العروض التي يجري تداولها يتعلق برواية توقيف 61 مواطنا مغربيا بمدينة وهران، بدعوى التخطيط لأعمال تخريبية. رقم كبير بما يكفي لإثارة الانتباه، وعنوان مثير بما يكفي لجذب الجمهور، وجرعة من الغموض تسمح لكل متفرج بأن يتخيل بقية السيناريو. لكن المشكلة أن المسرح، مهما كانت إضاءته قوية، لا يستطيع أن يحل محل الأدلة، وأن التصفيق لا يحول الاتهام إلى حقيقة، مهما ارتفع صوت المذيع وهو يعلن اكتشاف المؤامرة الكبرى.
في هذا العرض، لا يحتاج المشاهد إلى معرفة التفاصيل كاملة؛ يكفيه أن يسمع عبارة «تهديد للأمن القومي»، حتى يشعر بأن الوطن كان على وشك السقوط لولا اليقظة الخارقة التي تدخلت في الوقت المناسب. أما الأسئلة الصغيرة، من قبيل: ما طبيعة المخطط؟ وما الأدلة المنشورة؟ وما الذي ثبت فعلا؟ فهذه أسئلة قد تفسد الإيقاع الدرامي، ولذلك يفضل البعض تركها في الكواليس إلى حين انتهاء العرض.
ولأن المسرح السياسي لا يكتمل من دون أدوار موزعة بعناية، فهناك دائما بطل أمني يكتشف الخطر في اللحظة الحاسمة، وعدو خارجي يصلح لكل موسم، ومواطن مطلوب منه أن يشعر بالفخر والقلق في الوقت نفسه، ثم مسؤول يطل من بعيد ليؤكد أن الدولة كانت تعرف كل شيء، وأن المؤامرة كانت خطيرة جدا، وأن المؤسسات تصرفت بحكمة عظيمة. وحده المواطن الذي ينتظر تحسن ظروفه المعيشية يجد نفسه خارج النص، لا يعرف لماذا تتقدم المؤامرات بسرعة خارقة بينما تتقدم الحلول الاجتماعية بخطى سلحفاة متعبة.
والحقيقة أن هذا النوع من المسرحيات لا يحتاج إلى ديكورات باهظة؛ يكفيه مصطلح أمني ثقيل، ورقم مثير، وخصم جاهز، وبعض التسريبات التي تتكفل مواقع التواصل بإكمال ما نقص منها. ثم يبدأ الجمهور في تبادل الروايات، وتتحول القضية إلى مادة للنقاش والانفعال، فيما تبقى الأسئلة الأساسية معلقة. وإذا ظهرت تناقضات، فلا مشكلة: يمكن دائما إضافة مشهد جديد، أو الحديث عن معلومات سرية لا يجوز كشفها، أو انتظار الحلقة المقبلة التي قد تحمل مفاجآت أكثر إثارة.
يا لها من صناعة متقنة! في الاقتصاد، لا يمكن اختراع مصنع ناجح بمجرد الإعلان عنه؛ وفي التعليم، لا يمكن رفع مستوى التلاميذ ببيان صحفي؛ وفي الصحة، لا يستطيع خطاب رسمي أن يعالج مريضا ينتظر موعدا. أما في مسرحية المؤامرات، فالأمر أسهل بكثير: يكفي الإعلان عن خطر كبير حتى يشعر الجميع بأن شيئا عظيما قد تحقق، حتى لو لم يتغير شيء في حياتهم اليومية. الإنجاز هنا ليس حل المشكلة، بل اكتشاف من يمكن اتهامه بأنه سببها.
وإذا كان الهدف هو إقناع الجزائريين بأن بلادهم قوة لا يستهان بها، فإن اختيار الطريق يبدو غريبا. فالدول التي تثق في قوتها لا تحتاج إلى تحويل كل خلاف إلى معركة وجودية، ولا إلى جعل كل خبر أمني مناسبة لاستعراض العضلات. القوة الحقيقية تظهر في اقتصاد منتج، ومؤسسات فعالة، وخدمات عمومية محترمة، وقدرة على بناء علاقات دولية تقوم على المصالح والثقة. أما كثرة الحديث عن الأخطار، فلا تعني بالضرورة أن الدولة قوية؛ فقد تعني ببساطة أن الخطاب السياسي وجد في الخوف مادة سهلة الاستهلاك.
والأكثر طرافة أن العدو الخارجي في هذه المسرحية لا يطلب أجرا، ولا يحتاج إلى استراحة، ولا يعترض على إعادة استعماله في موسم جديد. كلما احتاج السيناريو إلى رفع مستوى التوتر، عاد اسمه إلى الواجهة. وإذا لم تكن هناك أدلة كافية في المجال العام، فإن الغموض نفسه يصبح جزءا من الفرجة. وهكذا تتحول العلاقة مع الجار إلى مادة قابلة للتوظيف الداخلي، بدل أن تكون مجالا للتنافس الاقتصادي والتعاون الإقليمي وتدبير الخلافات بعقلانية.
لكن المسرح، مهما طال عرضه، لا يستطيع إلغاء الواقع. فالمواطن الذي يواجه الغلاء لا يمكن إقناعه إلى الأبد بأن مشكلته الأساسية هي مؤامرة بعيدة. والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل لن يجد وظيفة في نهاية نشرة أمنية. والأسرة التي تنتظر خدمة صحية أفضل لن تستفيد من ارتفاع عدد التصريحات عن الأخطار الخارجية. وحين تنطفئ الأضواء، يعود الجميع إلى حياتهم، وتعود الأسئلة نفسها إلى الواجهة، وكأن العرض لم يكن سوى استراحة قصيرة من الواقع، لا حلا له.
وليس المطلوب هنا التقليل من شأن الأمن أو التشكيك المسبق في كل قضية تعلنها السلطات الجزائرية؛ فمكافحة الجريمة وحماية المواطنين واجبان أساسيان في أي دولة. لكن الفرق كبير بين عمل أمني تحكمه الأدلة والإجراءات القانونية، وعرض إعلامي تتحول فيه الاتهامات إلى أحكام في أذهان الجمهور قبل اتضاح الوقائع. وإذا كانت قضية توقيف المواطنين المغاربة تستند إلى أدلة فعلية، فإن التحقيق والقضاء هما الطريق الطبيعي لإثباتها، لا المبالغة في الروايات ولا الاكتفاء بإثارة الانفعالات.
في نهاية العرض، قد يخرج المخرج ليشكر الجمهور على حسن المتابعة، وقد يعلن عن موسم جديد يحمل مؤامرة أكثر تعقيدا وعددا أكبر من المشتبه فيهم. لكن هناك مشكلة صغيرة لا ينتبه إليها أصحاب المسرح: الجمهور قد يصفق في البداية، ثم يبدأ في السؤال عن ثمن التذكرة، وبعدها يكتشف أن المسرحية لا تقدم له سوى الخوف في كل مرة، بينما يدفع من وقته وأعصابه ومستقبله ثمن الفرجة.
وعندما يتحول الأمن إلى مسرح، تصبح أخطر لحظة ليست لحظة ظهور العدو على الخشبة، بل اللحظة التي يكتشف فيها الجمهور أن الستار لا ينزل أبدا، وأن العرض مستمر، وأن مشكلاته الحقيقية ما زالت تنتظر خارج القاعة.
فالدولة القوية لا تحتاج إلى إخافة شعبها كي تثبت قوتها، والأمن ليس مسرحية لإلهاء الجمهور، والعدو الخارجي، مهما كان مناسبا للسيناريو، لا يستطيع أن يؤدي دور الإنجاز الغائب إلى الأبد.




