المغرب

أديس أبابا… حين تتحول الدبلوماسية المغربية من الحضور الرمزي إلى ترسيخ النفوذ الإفريقي


حلّ رئيس الحكومة عزيز أخنوش، اليوم الجمعة، بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، لتمثيل صاحب الجلالة الملك محمد السادس في القمة التاسعة والثلاثين لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي، في خطوة تتجاوز بعدها البروتوكولي لتكرّس توجهاً سياسياً ودبلوماسياً واضح المعالم للمملكة داخل القارة.
فتمثيل رئيس الحكومة للملك في هذا المحفل القاري لا يمكن اختزاله في كونه إجراءً شكلياً، بل يعكس مستوى الثقة السياسية والمؤسساتية في تدبير ملف إفريقي أصبح من ركائز السياسة الخارجية المغربية. فمنذ العودة القوية للمغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، انتقل الحضور المغربي من موقع الدفاع وردّ الفعل إلى موقع المبادرة وصياغة الأجندات، سواء في مجالات التنمية، أو الأمن، أو التعاون جنوب–جنوب.
وتأتي هذه المشاركة في سياق إفريقي معقّد، تطبعه تحولات جيواستراتيجية عميقة، وتنافس دولي محموم على النفوذ والثروات، إلى جانب أزمات سياسية وأمنية متصاعدة في عدد من المناطق. في هذا الإطار، يحرص المغرب على تقديم نفسه كفاعل إفريقي “من داخل القارة”، لا كقوة عابرة أو وصية، وهو ما يفسر التركيز المستمر على خطاب الشراكة المتوازنة، والاستثمار المنتج، واحترام سيادة الدول.
حضور أخنوش في أديس أبابا ينسجم أيضاً مع الرؤية الملكية التي تعتبر إفريقيا امتداداً استراتيجياً للمغرب، لا مجرد مجال دبلوماسي ظرفي. فالمشاريع الكبرى التي أطلقها المغرب في القارة، من الأسمدة إلى الأبناك، ومن البنيات التحتية إلى التكوين الديني والمهني، جعلت من الرباط فاعلاً اقتصادياً وتنموياً مؤثراً، وليس مجرد مشارك في البيانات الختامية.
داخلياً، يكتسي هذا التمثيل دلالة إضافية، إذ يعكس حرص المؤسسة الملكية على إشراك الحكومة في تنزيل الرؤية الإفريقية للمملكة، بما يعزز الانسجام بين الدبلوماسية الرسمية والدبلوماسية الحكومية. كما يمنح لرئيس الحكومة هامشاً سياسياً للتحرك في ملفات استراتيجية.
أما على مستوى الاتحاد الإفريقي، فإن مشاركة المغرب في هذه القمة تندرج ضمن معركة هادئة وطويلة النفس لتكريس مقاربة واقعية داخل المنظمة القارية، تقوم على التنمية والاستقرار بدل منطق الاصطفافات الإيديولوجية. وهو ما يجعل الحضور المغربي، في كل قمة، مناسبة لإعادة التأكيد على أن القارة في حاجة إلى حلول إفريقية واقعية، لا إلى استنساخ صراعات الآخرين.
وليس مشاركة عزيز أخنوش في قمة أديس أبابا مجرد تمثيل مؤسساتي، بل تعبيراً عن استمرارية خيار استراتيجي مغربي يرى في إفريقيا عمقه الطبيعي ومجاله الحيوي. خيارٌ يقوم على الاستثمار في المدى الطويل، وعلى بناء النفوذ بهدوء، بعيداً عن الضجيج، لكن بثبات يفرض نفسه داخل موازين القارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى