المغرب

نور الدين مضيان: حين يتحول الخطاب السياسي إلى ملف قضائي بدل منصة للتشريع


في بعض الأحزاب، لا تحتاج إلى برنامج انتخابي بقدر ما تحتاج إلى “قاموس مجاني” للسبّ والقذف… والباقي يتكفل به القضاء!
قضية القيادي في حزب الاستقلال نور الدين مضيان، بعد تأييد الحكم الابتدائي بسجنه ستة أشهر نافذة وتغريمه 150 ألف درهم، ليست مجرد ملف قضائي عابر، بل هي فصل جديد من “مدرسة الخطاب السياسي غير المراقَب” التي يبدو أن بعض الفاعلين ما زالوا يعتقدون أنها جزء من الامتيازات الحزبية.
المفارقة الساخرة هنا أن من يُفترض فيه أن يمثّل المواطنين داخل المؤسسة التشريعية، لم يجد في أدواته السياسية سوى لغة أقرب إلى حلبة ملاكمة لفظية، حيث تُستبدل الحجة بالقذف، والحوار بالتشهير، والاختلاف السياسي بتصفية حسابات شخصية لا تليق حتى بمقهى شعبي في ليلة متوترة.
المحكمة قالت كلمتها، لكن السؤال الذي لا تقوله الأحكام القضائية هو: كيف يتحوّل “النقاش الحزبي” إلى نشر غسيل خاص في العلن؟
في المشهد السياسي المغربي، نلاحظ أحياناً أن بعض “القيادات” تتصرف وكأنها حصلت على تفويض مفتوح لإلغاء الحدود بين العام والخاص، بين النقد السياسي والإهانة، بين الاختلاف والتشهير. وهنا يصبح الخطاب السياسي أشبه بنسخة رديئة من برامج الواقع، لكن دون مونتاج، ودون اعتذار في النهاية.
الأطرف أن بعض هؤلاء، حين يسقطون في فخ القانون، يتحولون فجأة إلى “ضحايا حرية التعبير”، وكأن حرية التعبير هي صك غفران شامل يتيح قول ما تشاء دون مسؤولية. بينما الحقيقة بسيطة: حرية التعبير لا تعني حرية الإساءة، ولا تعني تحويل الخصوم السياسيين إلى أهداف للتشويه.
هذه القضية أيضاً تفتح سؤالاً أكبر من شخص واحد أو حزب واحد: ما الذي يحدث داخل بعض التنظيمات السياسية حتى يصبح الانضباط الأخلاقي في الخطاب آخر ما يُفكَّر فيه؟ وهل فقدت السياسة عند البعض معناها لتتحول إلى معارك شخصية تُدار عبر البلاغات والملفات القضائية بدل البرامج والأفكار؟
في النهاية، لا أحد يربح عندما تنحدر السياسة إلى هذا المستوى. لا الحزب يربح، ولا المؤسسة التشريعية، ولا حتى صاحب القضية الذي يجد نفسه بين “المقعد النيابي” و“المقعد القضائي”.
ربما الدرس الأبسط في هذه القصة كله هو: ليس كل من يتحدث بصوت مرتفع يملك حجة قوية،… إلا أنه قد يجرّ صاحبه إلى قاعة المحكمة بدل قاعة النقاش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى