نمو بنسبة 5 في المائة و26 مليون سائح.. طموحات حكومة المنصوري لإعادة رسم ملامح الاقتصاد المغربي

تضع حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مجموعة من الأهداف الاقتصادية والمالية والاستثمارية ضمن برنامجها للفترة 2026-2031، في مقدمتها تحقيق نمو سنوي بنسبة 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031، وضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة، وتقليص المديونية العمومية إلى نحو 62 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول 2031، إلى جانب السعي إلى حصر التضخم في حدود 2 في المائة. وتعكس هذه الأهداف رغبة في الجمع بين تحفيز النشاط الاقتصادي والحفاظ على التوازنات المالية، مع السعي إلى تحسين مناخ الاستثمار وتوسيع مساهمة القطاعات المنتجة.
ويشكل هدف النمو بنسبة 5 في المائة أحد المؤشرات التي ستخضع للمتابعة خلال السنوات المقبلة، بالنظر إلى ارتباطه بخلق الثروة وتوفير فرص الشغل وتحسين المداخيل. فالنمو الاقتصادي لا يقتصر أثره على ارتفاع حجم الإنتاج، بل يمكن أن ينعكس على فرص الاستثمار والتشغيل وتطوير الخدمات والبنيات الأساسية، متى توزعت ثماره على نطاق واسع واستفادت منه مختلف الجهات والفئات الاجتماعية.
ويحتاج بلوغ هذا الهدف إلى تنشيط الاستثمار، وتحسين إنتاجية المقاولات، وتطوير الصناعة والخدمات، وتعزيز الصادرات، إلى جانب رفع كفاءة البنيات التحتية والموارد البشرية. كما أن استدامة النمو تتطلب تنويع مصادره، حتى لا يرتبط الأداء الاقتصادي بشكل مفرط بقطاع واحد أو بظروف مناخية أو خارجية يصعب التحكم فيها.
وفي الجانب المالي، يبرز استهداف عجز في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، مع خفض المديونية العمومية إلى نحو 62 في المائة بحلول 2031، باعتباره توجها يرمي إلى المحافظة على التوازنات المالية وتوفير هامش أكبر لتدبير النفقات والاستثمارات. ويظل تحقيق هذه الأهداف مرتبطا بتطور الإيرادات العمومية، ووتيرة الإنفاق، وأداء الاقتصاد الوطني، فضلا عن قدرة الدولة على تحسين نجاعة البرامج والمشاريع التي تمولها.
كما أن استهداف التضخم في حدود 2 في المائة يعكس أهمية استقرار الأسعار في حماية القدرة الشرائية للأسر وتوفير رؤية أوضح للمقاولات عند اتخاذ قرارات الاستثمار والإنتاج. غير أن تطور الأسعار يتأثر بعوامل متعددة، منها تكاليف الطاقة والمواد الأولية، والظروف المناخية، وحركة الأسواق الدولية، ولذلك فإن بلوغ الهدف يقتضي تنسيقا بين السياسات الاقتصادية والإجراءات الرامية إلى تحسين العرض وتعزيز المنافسة وضمان انتظام التموين.
ومن بين التوجهات المطروحة، رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني. ويعكس هذا الهدف الرغبة في توسيع دور المقاولات والمستثمرين في تمويل المشاريع المنتجة، مع احتفاظ الدولة بدورها في توفير البنيات الأساسية والخدمات العمومية وتوجيه الاستثمار نحو الأولويات الاستراتيجية. ويمكن لتوسيع الاستثمار الخاص أن يساعد على خلق فرص الشغل وتطوير الأنشطة الصناعية والخدماتية، شريطة توفير بيئة قانونية واضحة، وتيسير التمويل، وتقليص التعقيدات الإدارية.
وتبرز المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة باعتبارها أحد محاور هذه المقاربة، بالنظر إلى دورها في النشاط الاقتصادي المحلي وقدرتها على توفير فرص الشغل في قطاعات متعددة. وتحتاج هذه المقاولات إلى مواكبة تتجاوز الدعم الظرفي، وتشمل تحسين الولوج إلى التمويل والأسواق، وتبسيط الإجراءات، وتطوير قدراتها في التدبير والتسويق والرقمنة، فضلا عن توفير شروط تتيح لها التوسع والاستمرار.
وفي السياق ذاته، يبرز تعبئة الادخار الوطني وإنعاش الأسواق المالية ضمن التوجهات الرامية إلى توسيع مصادر تمويل الاقتصاد. فتعزيز دور الادخار المحلي يمكن أن يساهم في تمويل المشاريع الإنتاجية، بينما تتيح الأسواق المالية فرصا لتنويع أدوات التمويل أمام المقاولات، وتوسيع مشاركة المستثمرين في النشاط الاقتصادي. ويتطلب هذا الورش تطوير الثقة والشفافية، وتوسيع الثقافة المالية، وتوفير قواعد واضحة لحماية المستثمرين وضمان سلامة المعاملات.
أما إعادة هيكلة المؤسسات العمومية، فتندرج ضمن مسار يرمي إلى تحسين الحكامة ورفع نجاعة التدبير وتعزيز مساهمة هذه المؤسسات في التنمية الاقتصادية. ويحتاج هذا الورش إلى تقييم الأدوار والنتائج، وتوضيح العلاقة بين الأهداف الاجتماعية والاقتصادية للمؤسسات، وتحسين آليات المراقبة والمساءلة، بما يسمح بتوجيه الموارد نحو الخدمات والاستثمارات ذات الأولوية. كما أن الإصلاح ينبغي أن يراعي استمرارية المرافق العمومية وجودة الخدمات التي تقدمها للمواطنين والمقاولات.
وفي القطاع السياحي، يبرز هدف استقبال 26 مليون سائح بحلول سنة 2030 باعتباره طموحا يرمي إلى تعزيز موقع المغرب ضمن الوجهات السياحية الدولية، وتوسيع مساهمة السياحة في الاقتصاد الوطني. ويمكن لهذا التوجه أن يخلق فرصا جديدة في الإيواء والنقل والمطاعم والصناعات التقليدية والأنشطة الثقافية والترفيهية، فضلا عن دعم المقاولات المحلية وتحفيز الاستثمار في البنيات السياحية.
لكن تحقيق هذا الهدف لا يرتبط بعدد الوافدين فقط، بل يتطلب تحسين جودة الخدمات، وتطوير الربط الجوي والبري، وتنويع العرض السياحي، وتوزيع النشاط على وجهات متعددة، بما يعزز استفادة المناطق التي تتوفر على مؤهلات طبيعية وثقافية وتاريخية. كما أن تطوير السياحة المستدامة والحفاظ على الموارد الطبيعية والتراثية يشكلان عنصرين مهمين لضمان استمرارية الجاذبية السياحية على المدى الطويل.
ويبرز توجه تعويض الواردات بالصناعة الوطنية باعتباره جزءا من مساعي تعزيز الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الخارج في بعض المنتجات التي يمكن تصنيعها أو تطويرها داخل البلاد. ويحتاج هذا التوجه إلى تحديد القطاعات ذات الإمكانات الواعدة، وتطوير الكفاءات الصناعية، وتحسين جودة المنتجات، وتشجيع البحث والابتكار، مع مراعاة كلفة الإنتاج وقدرته على المنافسة في السوق الوطنية والدولية.
كما أن طموح المغرب إلى تعزيز موقعه في سلاسل القيمة العالمية يرتبط بقدرته على جذب الاستثمارات الصناعية والتكنولوجية، وتطوير الموردين المحليين، وتحسين المهارات، وتوسيع الصادرات ذات القيمة المضافة. ويمكن للاندماج في هذه السلاسل أن يفتح فرصا لنقل التكنولوجيا وتطوير الإنتاج، لكنه يتطلب كذلك استقرارا تنظيميا وبنيات لوجستية فعالة وتوفيرا مستمرا للموارد البشرية المؤهلة.
وتدخل الصناعة الدفاعية ضمن المجالات التي تسعى الحكومة إلى تطويرها، في إطار توجه نحو بناء قدرات صناعية وتقنية وطنية في مجالات استراتيجية. ويمكن لهذا القطاع أن يتيح فرصا لتطوير الخبرات الهندسية والتكنولوجية، ودعم البحث والتصنيع، وتعزيز بعض القدرات الصناعية المحلية. غير أن تطوره يحتاج إلى تخطيط طويل الأمد، واحترام الالتزامات القانونية والتنظيمية، وتحديد المجالات التي يمكن فيها بناء قيمة مضافة وطنية مستدامة.
وفي الجانب اللوجستي، يبرز التوجه نحو تطوير أسطول بحري تجاري وطني، وتعزيز الموانئ والمناطق اللوجستية، باعتباره جزءا من مساعي تقوية السيادة الاقتصادية وتحسين قدرة المغرب على الربط بالأسواق الدولية. فالنقل البحري والموانئ يشكلان عنصرين أساسيين في حركة الصادرات والواردات، وتطويرهما يمكن أن يدعم تنافسية المقاولات ويقلص بعض تكاليف النقل والتخزين.
كما تكتسب الصناعات منخفضة الكربون والممرات البحرية أهمية متزايدة في ظل التحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي. ويمكن لتطوير الإنتاج الصناعي الأقل انبعاثا، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتوسيع الربط التجاري واللوجستي، أن يعزز قدرة المغرب على استقطاب استثمارات جديدة والاستجابة لمتطلبات الأسواق التي تتجه نحو معايير بيئية أكثر صرامة.
وتجمع هذه الالتزامات بين أهداف النمو والتوازنات المالية والاستثمار والسياحة والصناعة واللوجستيك. وسيكون التحدي أمام الحكومة هو ضمان التكامل بين هذه الأوراش، حتى ينعكس الاستثمار في زيادة الإنتاج وخلق فرص الشغل وتحسين الدخل، مع الحفاظ على استقرار المالية العمومية وتنافسية الاقتصاد. أما تقييم النتائج، فسيحتاج إلى متابعة مؤشرات النمو والاستثمار والتشغيل والتضخم والمديونية، إلى جانب قياس الأثر الفعلي للمشاريع على المقاولات والأسر والجهات.




