من يقود الوزارة… الوزير أم السائق؟

في كل مرة نظن أننا سمعنا أغرب القصص، تفاجئنا بعض الوقائع المتداولة بما هو أكثر غرابة. فآخر ما شغل الرأي العام هو القضية التي تفجرت بوزارة الصيد البحري، بعد شكاية تتحدث عن اتهامات بالنصب واستغلال النفوذ وطلب مبالغ مالية مقابل وعود بتسهيل الحصول على رخصة، وهي القضية التي دفعت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري إلى إعفاء سائقها من مهامه، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات القضائية.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس: لماذا أُعفي السائق؟ بل كيف وصل سائق، بحسب ما ورد في الشكاية، إلى موقع يجعله يتفاوض مع المستثمرين، ويعدهم بتسريع الملفات، ويصبح اسمه متداولاً في قضية من هذا الحجم؟ هل أصبحت السيارة الإدارية أهم من المكتب الإداري؟ وهل صار الطريق إلى الرخص يمر عبر مقعد السائق بدل شباك الإدارة؟
إذا كانت الشكاية تتحدث عن مبالغ وصلت إلى عشرات الملايين من السنتيمات، وعن وعود بتسهيل المساطر، فإن الأمر لا يتعلق بشخص واحد فقط، بل بصورة الإدارة نفسها. لأن المواطن عندما يقتنع بأن حل مشكلته يوجد عند السائق أو المرافق أو الوسيط، فهذا يعني أن الثقة في المؤسسات أصبحت في أزمة حقيقية.
ثم يأتي الإعفاء بعد انتشار القضية، وكأنه الحل السحري. لكن الرأي العام لا يبحث فقط عن معرفة من تم إعفاؤه، بل يريد أن يعرف: هل كانت هناك شبكة لاستغلال النفوذ؟ وهل كان المسؤولون على علم بما يجري؟ ومن يحاسب كل من يثبت تورطه إذا أكدت التحقيقات صحة الاتهامات؟
المثير في مثل هذه القضايا أن بعض المسؤولين لا يكتشفون نفوذ المقربين منهم إلا بعد أن تنشر الصحافة الخبر أو تتحرك النيابة العامة. قبل ذلك، يبدو كل شيء طبيعياً، وبعدها يتحول السائق إلى كبش فداء، بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة.
وبطبيعة الحال، يبقى القضاء وحده المخول له الفصل في صحة الاتهامات الواردة في الشكاية، وكل الأطراف يتمتعون بقرينة البراءة إلى أن يقول القضاء كلمته. لكن سياسياً وأخلاقياً، فإن مجرد وصول الأمور إلى هذا الحد يكشف حجم الخلل الذي يجعل بعض المواطنين يعتقدون أن قضاء المصالح يمر عبر الوسطاء لا عبر القانون.
حقاً… هزلت عندما يصبح اسم السائق أشهر من اسم المدير، وعندما تتحول السيارة الرسمية، في نظر البعض، إلى أسرع طريق نحو الرخص والمصالح.




