المغرب

شارة النصر في سبتة… وشهادة إدانة لسياسات أوصلت شباب المغرب إلى الهروب من الوطن

ليست هذه مجرد صورة لفتاة مغربية ترفع شارة النصر بعد وصولها إلى سبتة. إنها صورة تختصر مأساة وطن بأكمله. صورة اسمها فرح، ابنة مدينة العرائش، التي قطعت حوالي خمسة كيلومترات سباحة في ظلمات الليل والبحر، غير آبهة بالأمواج ولا بالموت، لأنها كانت تبحث عن شيء فقدته في وطنها: الأمل.

أي انتصار هذا الذي يجعل شابة مغربية تحتفل لأنها غادرت المغرب؟ وأي هزيمة أكبر من أن تصبح الضفة الأخرى عنوانًا للنجاح، بينما يتحول الوطن إلى محطة للهروب؟

إنها ليست شارة نصر على البحر، بل شارة نصر على اليأس، وشهادة إدانة لسياسات جعلت آلاف الشباب يعتقدون أن مستقبلهم يوجد خارج حدود بلدهم. إنها صورة تعري الواقع أكثر مما تفعله آلاف التقارير الرسمية، وتنسف كل الخطابات التي تتحدث عن “الدولة الاجتماعية” و”الاستثمار في الإنسان” و”النموذج التنموي” و”الفرص”.

نعم يا عزيز أخنوش… نعم يا نزار بركة… نعم يا فاطمة الزهراء المنصوري…

هذه الصورة تفند تقاريركم المنمقة والمزوقة. تفند الأرقام التي تتحدث عن الإنجازات، بينما الواقع يقول إن شباب المغرب يغامرون بحياتهم في البحر. إنها تكشف حجم الهوة بين الخطاب الرسمي وما يعيشه المواطن البسيط.

ماذا يوجد في سبتة ولا يوجد في الفنيدق؟ ماذا يوجد هناك ولا يوجد في العرائش؟ ماذا يوجد في الدار البيضاء ولا يجده شبابها؟ السؤال ليس عن الجغرافيا، بل عن الكرامة، وعن فرص الشغل، وعن الأمل، وعن الشعور بأن لهذا الوطن مكانًا يتسع لأحلام أبنائه.

حين يرفع شاب أو شابة شارة النصر بعد الوصول إلى الضفة الأخرى، فهذا يعني أن الوطن خسر معركة الثقة. فالإنسان بطبيعته لا يحتفل بمغادرة أرضه إلا إذا شعر أنه لم يعد يجد فيها مستقبله.

هذه ليست هزيمة لفرح، بل هزيمة لكل السياسات التي لم تستطع إقناع شباب المغرب بأن النجاح يمكن أن يصنع هنا، داخل وطنهم. إنها هزيمة لمن ظل يردد أن كل شيء بخير، بينما الواقع كان يكتب رواية أخرى على شواطئ الفنيدق والعرائش وطنجة.

إن أخطر ما في هذه الصورة أنها لا تتحدث عن فتاة واحدة، بل عن جيل كامل يرى أن الخلاص يوجد خلف البحر. جيل مستعد لمواجهة الغرق، لأنه يعتبر أن البقاء دون أفق أخطر من ركوب المجهول.

الوطن لا يقاس بعدد الطرق السيارة ولا بالمشاريع الضخمة فقط، بل يقاس بمدى تمسك أبنائه به. وعندما يصبح الرحيل هو الحلم، وتصبح الضفة الأخرى هي النصر، فذلك إنذار يجب أن يتوقف عنده الجميع.

هذه ابنة المغرب، وليست ابنة دولة أخرى. فرحتها بالوصول إلى سبتة ليست مناسبة للاحتفال، بل جرس إنذار يدق بقوة. إنها صورة تكشف المستور، وتفضح واقعًا لا تستطيع البلاغات الرسمية ولا المؤشرات الاقتصادية إخفاءه.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يجيب عنه المسؤولون قبل أي أحد آخر: كيف نعيد للمغاربة الأمل حتى تصبح شارة النصر تُرفع داخل الوطن، لا بعد الهروب منه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى