حين تصطدم العدالة بوزيرها: إضراب المحامين كعرض لا كحدث

لم يأت إعلان الإضراب الوطني الشامل لهيئات المحامين بالمغرب كحادث معزول أو نزوة مهنية عابرة، بل بوصفه نتيجة منطقية لمسار طويل من التوتر الصامت، والقرارات المرتجلة، ومنهجية تدبير جعلت وزارة العدل طرفا في الصراع بدل أن تكون ضامنا للتوازن. فالإضراب، في جوهره، ليس فقط احتجاجا على مشروع قانون، بل تصويتا جماعيا بعدم الثقة في سياسة وزير، وفي تصور كامل لإدارة قطاع حساس كقطاع العدالة.
عبد اللطيف وهبي، منذ توليه وزارة العدل، اختار أن يتحرك بمنطق الصدمة بدل التوافق، وبأسلوب المغالبة بدل الشراكة. وهو اختيار قد ينجح في قطاعات تقنية أو إدارية، لكنه في العدالة يتحول إلى مقامرة خطيرة. فالعدالة ليست نصوصا فقط، بل منظومة أخلاقية ومؤسساتية، عمادها الثقة المتبادلة بين القاضي والمحامي والمتقاضي والدولة. حين تكسر هذه الثقة، يصبح أي قانون مهما كانت صياغته بلا روح.
مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، كما خرج من دهاليز الوزارة، كشف بوضوح عن هذا الخلل. لم يكن الخلاف حول مادة أو فصل، بل حول الفلسفة التي تحكم المشروع: هل تعتبر المحاماة مهنة حرة مستقلة تؤدي وظيفة دستورية، أم مجرد مرفق تابع يخضع لمنطق الوصاية والتطويع؟ جواب الوزارة، كما فهمه المحامون، كان مقلقا بما يكفي لدفعهم إلى الشارع المهني، أي إلى الإضراب.
الأخطر في مسار وهبي ليس فقط تمرير نصوص مرفوضة، بل إصراره على تسويق ذلك بوصفه إصلاحا، مع ما رافق ذلك من استدعاء فاعلين غير معنيين، وتهميش الهيئات المهنية، وضرب الوساطات البرلمانية عرض الحائط. وكأن الوزير يتعامل مع قطاع العدالة بعقلية الأغلبية العددية، لا بعقلية الشرعية التشاركية التي يفرضها الدستور قبل الواقع.
إضراب المحامين، في هذا السياق، يتحول إلى مرآة تعكس أزمة أعمق: أزمة تدبير سياسي لوزارة سيادية يفترض فيها أن تكون أكثر الوزارات إنصاتا، لا أكثرها صداما. فحين يتوقف الدفاع، ولو ليوم واحد، فإن الرسالة تتجاوز الوزارة لتصل إلى الدولة نفسها: العدالة لا تدار بالأوامر، ولا تصلح بالإقصاء.
وإذا كان وهبي قد اعتاد تحويل الخلافات إلى معارك خطابية، فإن هذا الملف تحديدا لا يحتمل الاستعراض. لأن المحامين، بخلاف خصوم سياسيين عابرين، يشكلون جزءا من البنية العميقة للنظام القضائي. المساس بهم، أو تجاهلهم، يعني عمليا العبث بأسس المحاكمة العادلة، وفتح الباب أمام عدالة هشة، شكلية، فاقدة للثقة الاجتماعية.
إن تحميل وزارة العدل مسؤولية الاحتقان ليس تهربا من الحوار، بل محاولة أخيرة لإنقاذه. فالمحامون، وهم يعلنون الإضراب، لا يطالبون بامتيازات، بل يدافعون عن معنى المهنة، وعن دورها كخط دفاع أخير عن الحقوق والحريات. أما الإصرار على تمرير القوانين بالقوة، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الشلل، ومزيد من التآكل في صورة الإصلاح الذي يرفع الوزير شعاره، بينما يهدم شروطه على الأرض.
باختصار، ما يحدث اليوم ليس أزمة محامين، بل أزمة تصور للعدالة. وإضراب 6 يناير ليس النهاية، بل بداية عد تنازلي إما لمراجعة المسار، أو لانفجار أوسع سيدفع ثمنه الجميع.




