تمكين” أم تدوير للهشاشة؟.. حين تتحول معاناة النساء إلى أرقام في تقارير الحكومة

أعلنت وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة عن تخصيص 386 مليون درهم لبرنامج “التمكين والريادة”، الذي تقول إنه يستهدف دعم فرص الشغل لفائدة النساء المغربيات. رقم ضخم يبدو جميلاً في البلاغات الرسمية والعروض الحكومية، لكنه يطرح سؤالاً بسيطاً ومزعجاً في الوقت نفسه: أي نوع من “التمكين” تتحدث عنه الحكومة؟
فالمغربيات اليوم لا يحتجن إلى خطابات براقة حول الريادة بقدر ما يحتجن إلى عمل يحفظ الكرامة الإنسانية. لأن ما يُعرض على آلاف النساء في الواقع ليس “تمكيناً”، بل غالباً إعادة تدوير للهشاشة نفسها تحت عناوين جديدة.
أي تمكين في وظائف لا تكفي أجورها حتى لتغطية مصاريف التنقل والأكل؟
أي ريادة في أعمال موسمية ومرهقة، داخل الضيعات أو شركات المناولة أو قطاع النظافة والحراسة، حيث تشتغل النساء لساعات طويلة مقابل أجور بالكاد تبقيهن على قيد الحياة؟
الحكومة تتحدث بالأرقام، لكن النساء يعشن بالواقع. والواقع يقول إن آلاف المغربيات يشتغلن في ظروف قاسية، دون استقرار مهني أو حماية اجتماعية حقيقية، بينما تُقدَّم هذه الأعمال في التقارير الرسمية كقصص نجاح وبرامج إدماج.
المفارقة أن عشرات الملايين تُصرف كل سنة على البرامج والشعارات والندوات والتكوينات والدراسات، لكن نتائجها على الأرض تبقى ضعيفة أو غير مرئية. وكأن جزءاً كبيراً من هذه الأموال يتحول إلى دورة مغلقة من الاجتماعات والتقارير والملفات الإدارية، بينما المرأة الفقيرة تظل في المكان نفسه: تنتظر فرصة نجاة لا فرصة استغلال جديدة.
الكثير من المغاربة صاروا يتساءلون: ماذا لو تم توجيه جزء من هذه الميزانيات مباشرة إلى النساء المعوزات والأرامل والمطلقات والعاملات الهشات؟ ألن يكون لذلك أثر أكثر وضوحاً من صرفها في مشاريع تنتهي غالباً بصور رسمية وبلاغات احتفالية؟
ثم إن الحديث عن “الريادة” يبدو أحياناً منفصلاً عن الواقع الاجتماعي الحقيقي. فكيف يمكن لامرأة بالكاد تؤمن قوت يومها أن تتحول فجأة إلى “مقاولة ذاتية” أو “رائدة أعمال”، في ظل غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب المواكبة الجدية؟ كثير من هذه المشاريع ينتهي سريعاً، بينما تستمر لغة الأرقام في تقديمها كنجاحات.
المشكلة ليست في فكرة دعم النساء، بل في طبيعة النموذج الذي يُطرح عليهن. فتمكين المرأة لا يعني فقط دفعها نحو أي عمل مهما كانت قسوته وهشاشته، بل يعني خلق شروط حياة كريمة: أجر محترم، حماية اجتماعية، نقل لائق، حضانات، صحة، وتعليم جيد لأبنائها.
أما تحويل النساء الفقيرات إلى يد عاملة رخيصة باسم “الإدماج الاقتصادي”، فذلك ليس تمكيناً، بل نسخة حديثة من الاستغلال الاجتماعي الذي يُجمّل بالكلمات الكبيرة والبرامج اللامعة.




