العالمالمغرب

بين ابتسامة شرطي ورصاصة جندي: أي تربية تصنع الدولة؟


تداولت مواقع التواصل الاجتماعي صورتين تختصران مسافة شاسعة بين مفهومين للدولة، وبين مدرستين في التربية، وبين عقليتين في التعامل مع الإنسان.
الصورة الأولى تُظهر شرطيا مغربيا، بزيه الرسمي، يتعامل مع مواطن جزائري باحترام واضح. ابتسامة هادئة، لغة جسد مطمئنة، وسلوك يعكس أن رجل الأمن موجود لخدمة الإنسان، أيا كانت جنسيته أو موقفه. لا استفزاز، لا تعالٍ، ولا استعراض للقوة. مجرد تطبيق للقانون بروح إنسانية.
الصورة الثانية، على النقيض تماما، توثق مأساة شاب مغربي قُتل رميا بالرصاص على يد جندي جزائري. لا ابتسامة هنا، ولا لغة قانون، بل رصاصة أنهت حياة إنسان أعزل. فعل لا يمكن تبريره، ولا اختزاله في “حادث عرضي”، لأنه يعكس خللا أعمق من لحظة غضب أو خطأ فردي.
هذا التناقض الصارخ لا يتعلق بالأشخاص فقط، بل بالتربية التي أنتجتهم، وبالمؤسسة التي ينتمون إليها، وبالعقيدة التي تحكم سلوكهم.
في المغرب، ورغم كل الملاحظات والانتقادات المشروعة، تم ترسيخ فكرة أساسية داخل المؤسسات الأمنية: المواطن ليس عدوا، والأجنبي ليس هدفا. رجل الأمن يُكوَّن على ضبط النفس، وعلى احترام القانون، وعلى أن هيبة الدولة لا تُبنى بالعنف، بل بالعدل والانضباط. لذلك ليس غريبا أن نرى شرطيا مغربيا يتعامل بإنسانية مع مواطن جزائري، حتى في ظل توتر سياسي وإعلامي معروف.
أما في الجهة الأخرى، فالمشهد مختلف. عقيدة أمنية وعسكرية قائمة على التخويف، وعلى صناعة عدو دائم، وعلى تربية الجندي لا كحامٍ للحدود، بل كآلة طيّعة للأوامر. حين تغيب قيمة الإنسان من التكوين، تصبح الرصاصة أسهل من السؤال، والقتل أبسط من التحقق.
الفرق هنا ليس فرق “أخلاق أفراد”، بل فرق نموذج دولة.
دولة ترى في مؤسساتها أدوات لخدمة المجتمع، ودولة ترى فيها عصا غليظة لحماية النظام.
دولة تُربّي على ضبط القوة، ودولة تُربّي على استعمالها دون محاسبة.
الخطير في الصورة الثانية ليس فقط فقدان روح بريئة، بل الرسالة التي تحملها: أن حياة الإنسان يمكن أن تُمحى بلا تحقيق شفاف، وبلا اعتذار رسمي واضح، وبلا مساءلة حقيقية. وهنا تتحول الجريمة من فعل فردي إلى مؤشر على ثقافة الإفلات من العقاب.
لسنا أمام مقارنة شعبين، فالشعوب بريئة من أفعال الأنظمة، بل أمام مقارنة بين منظومتين تربويتين وأمنيتين.
إحداهما تُنتج شرطيا يبتسم وهو يطبق القانون،
والأخرى تُنتج جنديا يطلق النار ثم يصمت النظام.
التاريخ يعلمنا أن الدول لا تُقاس بشعاراتها، بل بسلوك رجالها في لحظات الاختبار.
وفي هذا الاختبار بالذات، قالت صورتان كل شيء:
ابتسامة تحمي كرامة الدولة،
ورصاصة تفضح عطبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى