بنكيران يعد بإلغاء “المؤشر”… والمغاربة يسألون: وهل 500 درهم هي أصل الأزمة؟

عاد عبد الإله بنكيران إلى لغة الوعود الانتخابية، متعهداً بإلغاء المؤشر المعتمد للاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي إذا عاد حزبه إلى رئاسة الحكومة، معتبراً أن هذا النظام ظلم فئات واسعة من المواطنين، وفي مقدمتهم الأرامل، وحرمهم من الاستفادة من الدعم.
لكن اسمحوا لنا أن نسأل، بعيداً عن حرارة الخطابات: ثم ماذا بعد إلغاء المؤشر؟
لنفترض أن المؤشر أُلغي صباح الغد، هل ستختفي البطالة؟ هل سترتفع الأجور؟ هل سيجد الشباب عملاً يحفظ كرامتهم؟ هل ستصبح القدرة الشرائية أفضل؟ أم أن أقصى ما سنربحه هو الانتقال من “مؤشر” إلى “مؤشر آخر”؟
المشكلة ليست في المؤشر وحده، بل في الفكرة كلها. فمنذ متى أصبحت 500 درهم مشروعاً اقتصادياً أو حلاً اجتماعياً؟ هل يعقل أن تتحول أسرة كاملة إلى رهينة مبلغ لا يكفي لأداء فاتورة أو شراء حاجيات أسبوع واحد؟
لقد أصبح السياسيون يتنافسون حول من يمنح المواطن 500 درهم، بينما المواطن نفسه يبحث عن شيء آخر تماماً: عمل، أجر محترم، واستقرار. المواطن لا يريد أن يقضي عمره في انتظار رسالة تخبره بأن الدعم وصل أو لم يصل، بل يريد راتباً يجعله لا يحتاج إلى الدعم أصلاً.
السيد بنكيران، بدل أن تتحدث فقط عن المؤشر والدعم، تحدث عن المعامل والمصانع التي تحقق أرباحاً بالملايير، بينما لا ينال العمال سوى الفتات. تحدث عن أجور وتعويضات البرلمانيين وكبار المسؤولين، وعن الميزانيات الضخمة التي تُصرف هنا وهناك، “والخبار فراسك”. تحدث عن الفوسفاط، وعن المعادن، وعن الثروات الطبيعية التي يزخر بها المغرب، واسأل لماذا لا ينعكس جزء أكبر من عائداتها على حياة المواطن البسيط. تحدث عن أموال الضرائب والجبايات التي يؤديها المغاربة كل يوم، ثم اسأل أين تذهب، وكيف يمكن أن تتحول إلى مدارس أفضل، ومستشفيات تحفظ الكرامة، وفرص شغل حقيقية.
المغاربة اليوم لا ينتظرون من السياسي أن يقنعهم بأن 500 درهم هي مفتاح الخلاص، ولا أن يدخل معهم في نقاش حول مؤشر أو سجل. ما ينتظرونه هو مشروع اقتصادي يجعلهم يستغنون عن الدعم نهائياً، لأن لهم عملاً وأجراً يكفيهم.
ثم اسمح لنا، يا بنكيران، أن نقولها بصراحة: المغاربة لم يعودوا يقبلون عبارة “بيعو القزبور والمعدنوس… راه التجارة فيها البركة” التي خاطبت بها المعطلين من أصحاب الشهادات قبل سنوات. فالشاب الذي قضى سنوات في الدراسة، وأنفق عمره بين الجامعة والبحث عن وظيفة، لا يبحث عن نصيحة موسمية، بل يبحث عن حقه في الشغل الكريم، وعن اقتصاد يقدر كفاءته، لا عن وصفات جاهزة لتدبير البطالة.
المفارقة الساخرة أن الأحزاب تختلف حول طريقة توزيع الدعم، لكنها نادراً ما تختلف حول كيفية خلق الثروة وفرص الشغل. الجميع يتحدث عن المؤشرات، والمنصات، والسجلات، والبرامج، لكن عندما يتعلق الأمر بالاستثمار المنتج، والصناعة، وتشغيل الشباب، فجأة يصبح الصمت سيد الموقف.
إذا وجد المغاربة شغلاً بأجر يحفظ كرامتهم، فأوقفوا حتى تلك الـ500 درهم، فلن يحتاج إليها أحد. الكرامة لا تُقاس بقيمة التحويلات المالية، بل بقيمة الراتب الذي يتقاضاه الإنسان مقابل عمله.
المواطن المغربي لا يريد أن ينتقل من طابور الدعم إلى طابور الوعود. يريد فقط أن يستيقظ صباحاً وهو يعلم أن لديه عملاً، وأن آخر الشهر سيحصل على أجر يكفيه ويغنيه عن انتظار الإعانات، مهما كان اسمها أو لونها أو الحزب الذي يتباهى بها.
لكن يبدو أن معظم أحزابنا، حكومةً ومعارضةً، ما زالت تخشى وضع الإصبع على الجرح الحقيقي. فالجرح ليس في “المؤشر”، بل في اقتصاد لا ينتج ما يكفي من فرص الشغل، وسياسات اعتادت إدارة الفقر بدل القضاء على أسبابه. فالدول لا تنهض بالدعم، وإنما تنهض بالإنتاج، والاستثمار، والعدالة في توزيع الثروة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولهذا، سيظل المواطن يسمع في كل موسم انتخابي الوعود نفسها، بينما يظل حلمه البسيط مؤجلاً: وظيفة محترمة… لا 500 درهم محترمة.




