المغرب يرسّخ موقعه كبديل آمن للاستثمار المعدني في عالم مضطرب

في خضم التحولات المتسارعة التي يعرفها قطاع التعدين عالميًا، وتزايد سعي الدول والشركات الكبرى إلى إعادة رسم سلاسل التوريد وتقليص الارتباط بالمناطق عالية المخاطر، يبرز المغرب كوجهة استثمارية صاعدة قادرة على الجمع بين الاستقرار السياسي والجاهزية اللوجستية والوضوح التشريعي، في سياق دولي يتسم بتنامي عدم اليقين الجيوسياسي.
تقرير حديث صادر عن Discovery Alert، المتخصصة في تتبع أخبار وتحليلات الاستثمار المعدني، اعتبر أن المملكة باتت تقدم بديلاً عمليًا لعدد من الوجهات التقليدية التي أصبحت أكثر تعقيدًا من حيث المخاطر التنظيمية واللوجستية. ويرى التقرير أن البيئة الاستثمارية المغربية تستفيد من مزيج نادر في المنطقة، قوامه استقرار مؤسساتي، وإصلاحات تشريعية متواصلة، وبنية تحتية قادرة على مواكبة متطلبات المشاريع الكبرى.
ويمنح الموقع الجغرافي للمغرب، عند تقاطع أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، أفضلية تنافسية واضحة من حيث كلفة التصدير وسهولة الولوج إلى الأسواق النهائية. هذه الميزة تعززها منظومة موانئ متطورة، في مقدمتها ميناء طنجة المتوسط، إلى جانب موانئ الدار البيضاء وأكادير، ما يتيح تصدير الموارد المعدنية بكفاءة عالية ودون الحاجة إلى استثمارات لوجستية إضافية مكلفة، وهو عامل حاسم في حسابات المستثمرين الدوليين.
ورغم أن المغرب يُعد من أبرز المنتجين العالميين للفوسفاط، وهو مورد استراتيجي يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، إلا أن التقرير يشير إلى توجه واضح نحو تنويع القاعدة المعدنية وتقليص الاعتماد على مورد واحد. ففي أفق سنة 2030، تستهدف المملكة رفع عائدات المعادن غير الفوسفاطية إلى نحو 1.4 مليار دولار، استنادًا إلى إمكانات جيولوجية واسعة لم تُستغل بعد بالشكل الكافي.
وتبرز مناطق الأطلس الصغير والأطلس الكبير كخزانات معدنية واعدة، تزخر بأنظمة نحاسية متنوعة ورواسب ذهب من الطراز الأوروجيني، إضافة إلى تراكيز مهمة من الرصاص والزنك والمعادن الأساسية. ويؤكد التقرير أن التركيز التاريخي على الفوسفاط حال دون استكشاف هذه الموارد بشكل معمّق، ما يفتح اليوم آفاقًا واسعة أمام اكتشافات معدنية محتملة ذات قيمة عالمية.
وعلى المستوى التنظيمي، يعتبر التقرير أن إصلاح الإطار القانوني لقطاع التعدين منذ سنة 2016 شكّل منعطفًا حاسمًا، من خلال تبسيط مساطر الترخيص وتعزيز الشفافية واعتماد معايير تقييم تتماشى مع أفضل الممارسات الدولية. كما يعكس إطلاق طلبات عروض للتنقيب تغطي آلاف الكيلومترات المربعة حجم الرهان الرسمي على تطوير القطاع، خصوصًا في ما يتعلق بالذهب والفضة والنحاس والرصاص والزنك.
ولا تقتصر المقاربة المغربية على العروض المالية، بل تعتمد تقييمًا متعدد الأبعاد يأخذ بعين الاعتبار الكفاءة التقنية والقدرة المالية على تنفيذ برامج طويلة الأمد، إضافة إلى احترام معايير الحكامة البيئية والاجتماعية. ويبرز التقرير أن معايير ترشيد استخدام المياه والطاقة، وإدماج الطاقات المتجددة، وتقنيات تقليص النفايات، أصبحت عناصر أساسية في تقييم المشاريع التعدينية، مع تقديم حوافز إضافية للمبادرات التي تنسجم مع مبادئ الاقتصاد الدائري.
ويخلص التقرير إلى أن هذا التوجه يضع المغرب ضمن الدول الإفريقية السباقة إلى إدماج معايير الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة في سياساتها التعدينية، بما يتلاءم مع التحولات العميقة التي يعرفها تمويل المشاريع الكبرى عالميًا، وتزايد اهتمام المستثمرين بالاستثمارات المسؤولة. وفي ظل هذه المعطيات، لا يقدم المغرب نفسه فقط كبلد غني بالموارد، بل كمنظومة استثمارية متكاملة تسعى إلى لعب دور محوري في إعادة تشكيل خريطة التعدين العالمية خلال السنوات المقبلة.




