المغرب

الكذب والهرب من الواقع: قراءة نفسية في سلوكيات المهدي حيجاوي وتأثيرها على العائلة


حين يخرج أحد الأبناء ليكشف ما يراه وجه الحقيقة خلف صورة والده، يكون هذا الحدث أكثر من مجرد تصريح إعلامي؛ إنه نافذة لفهم ديناميات العائلة وتأثير اضطرابات الشخصية على محيطها. يزيد حيجاوي، نجل المهدي حيجاوي، الموظف السابق في جهاز المخابرات الخارجية، اختار الحديث عن والده وكشف ما وصفه بـ”متلازمة الكذب” التي عاشها الرجل، والتي كان لها أثر بالغ على الأسرة كلها.
من منظور نفسي، ما وصفه يزيد يعكس نمطاً سلوكيًا يُعرف عند علماء النفس بـ”اضطراب الشخصية النرجسية المزمنة” أو التوجه نحو الكذب المتكرر كآلية دفاعية. هذه المتلازمة تتسم بمحاولة الشخص حماية ذاته ومصالحه عبر تشويه الواقع، اختلاق الوقائع، واستثمار الآخرين لتحقيق أهداف شخصية، دون اعتبار لتأثير ذلك على المحيطين. وفي حالة المهدي حيجاوي، يتضح أن هذا النمط لم يكن موجهاً فقط للغرباء أو الجهات الخارجية، بل شمل أفراد أسرته الذين دفعوا الثمن النفسي والمادي لهذه السلوكيات.
أفاد يزيد أن العلاقة مع والده انقطعت نهائياً منذ سنة 2017 بعد الانفصال، وهو يعكس حالة الانهيار العاطفي التي يمكن أن تصيب العائلات حين يعيش أحد أفرادها في دائرة من الكذب المستمر والخداع. بحسب التحليل النفسي، الأطفال الذين يكبرون في بيئة يسودها الكذب والتلاعب يواجهون مشكلات في الثقة بالآخرين، ويحتاجون إلى وقت طويل لإعادة بناء تصورهم عن الأمان العاطفي. يزيد نفسه يصف شعوره باليتيم رغم أن والده على قيد الحياة، وهذا مؤشر على الصدمة العاطفية الناتجة عن الانفصال النفسي، وليس فقط الجسدي.
أما السلوكيات التي ذكرها يزيد، مثل سرقة ممتلكات والدته وتحويلها إلى زوجة جديدة، فهي تعكس نوعاً من “التهرب من المسؤولية الأخلاقية” الذي يتوافق مع شخصيات تعاني من خلل في التعاطف، حيث تُقاس العلاقات بالمنفعة المادية فقط، وتُستبعد القيم العاطفية والاجتماعية الأساسية. هذه التصرفات المتكررة تخلق داخل العائلة شعوراً بالانفصال النفسي، إذ يُصبح الفرد عاجزاً عن التعاطف مع المحيطين، فيما يشعر الأطفال بالخذلان والارتباك تجاه الشخص الأكثر أهمية في حياتهم.
من جانب آخر، محاولات والده تقديم نفسه كـ”ضحية سياسية” في الخارج يمكن تفسيرها نفسياً على أنها استراتيجية دفاعية على مستوى أكبر، حيث يقوم الفرد بإعادة صياغة الواقع لتجنب المساءلة القانونية والاجتماعية، مستخدماً الضغوط الخارجية أو الروايات السياسية لتغطية سلوكه الشخصي. يزيد، بدوره، يشير إلى أن هذه الصورة المزيفة لا تنطلي عليه، لأنه عاش تأثيراتها المباشر، وهو ما يضعه في موقع شاهد على التناقض بين التصريحات والسلوك الفعلي.
العائلة، حسب تحليل يزيد، لم تعد طرفاً في هذه الدوامة، وقد اختارت قطع العلاقة تماماً، وهو ما يعكس قدرة الأبناء على حماية أنفسهم نفسيًا من التأثيرات السلبية للوالد. ويؤكد ذلك على أن مواجهة الصدمات العائلية لا تقتصر على الجانب القانوني أو المادي، بل تشمل عملية إعادة بناء الهوية العاطفية والثقة بالنفس.
تجربة يزيد حيجاوي وعائلته، إذاً، تضعنا أمام درس نفسي مهم: الكذب المتكرر، التلاعب، والتهرب من المسؤولية لا يضر فقط صورة الشخص العامة، بل يمتد تأثيره العميق إلى الأسرة والأجيال القادمة. وفي الوقت نفسه، رفض العائلة التصديق على رواية “الضحية السياسية” وتأكيد ولائها للوطن والملكية يعكس قدرة الأفراد على التمسك بالثوابت القيمية رغم الضغوط النفسية والمعاناة الشخصية، مما يشكل نموذجاً لإعادة بناء الذات بعد تجربة مؤلمة.
ختاماً، ما كشفه يزيد حيجاوي ليس مجرد مواجهة إعلامية مع والده، بل هو قراءة نفسية للعلاقة بين الكذب والسلطة، بين الطمع والخداع، وبين الانفصال النفسي وإعادة التوازن الأسري، مؤكداً أن الحقيقة، رغم كل محاولات التزييف، ستظل دائماً أقوى من أي سرد مزيف، وأن العدالة النفسية والمجتمعية تكمن في مواجهة الواقع بصراحة وشجاعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى