الأمن الاجتماعي داخل المؤسسة الأمنية: حين تصبح الرعاية شرطًا للاحتراف

لم يعد الأمن في المفهوم الحديث حصرًا على الجاهزية الميدانية أو الصرامة التنظيمية، بل أصبح منظومة متكاملة تتداخل فيها الأبعاد المهنية والاجتماعية والنفسية، باعتبار الإنسان هو الفاعل الأول في إنتاج الأمن واستدامته. من هذا المنطلق، يبرز البعد الاجتماعي داخل المديرية العامة للأمن الوطني كخيار استراتيجي، لا كإجراء ظرفي أو امتياز إداري، بل كشرط بنيوي لضمان الفعالية والاحتراف.
إن طبيعة المهام الأمنية، بما تحمله من ضغط نفسي واستنفار دائم ومخاطر ميدانية، تجعل من الرعاية الاجتماعية عنصر توازن ضروري، ينعكس مباشرة على جودة الأداء والانضباط المهني. فالموظف الذي يشتغل في بيئة تحترم إنسانيته، وتؤمن بحقه في الصحة والاستقرار والدعم الاجتماعي، يكون أكثر قدرة على الانخراط الواعي والمسؤول في أداء واجبه.
في هذا السياق، تتجسد السياسة الاجتماعية للأمن الوطني في رؤية شمولية تنطلق من اعتبار موظف الشرطة رأسمالًا بشريًا ينبغي الاستثمار فيه على المدى الطويل، لا استنزافه. وهي رؤية تقوم على توفير منظومة دعم متكاملة تشمل الصحة الجسدية والنفسية، والحماية الاجتماعية، والتأمين، والسكن، والأنشطة الثقافية والرياضية، بما يحقق التوازن بين متطلبات الخدمة الأمنية والحياة الشخصية.
ولا يقتصر هذا التوجه على الموظفين المزاولين لمهامهم، بل يمتد ليشمل المتقاعدين وذوي الحقوق، في اعتراف مؤسسي بأن العطاء المهني لا ينتهي بانتهاء الخدمة، وأن الوفاء لمسار التضحية يمر عبر ضمان الاستمرارية في الرعاية والاهتمام. وهو تحول نوعي في التعاطي مع الزمن المهني، حيث يتم تجاوز منطق “الوظيفة المؤقتة” إلى منطق “المسار المتكامل”.
كما أن اعتماد مؤسسات اجتماعية متخصصة، وتطوير منظومة صحية داخلية، وتوسيع قاعدة المستفيدين من التغطية الصحية والتأمين، يعكس انتقال المؤسسة الأمنية من التدبير التقليدي إلى التدبير المبني على الأثر والنتائج، حيث يتم قياس نجاح السياسات الاجتماعية بمدى انعكاسها على الاستقرار المهني والنجاعة الوظيفية.
ويكتسي هذا المسار أهمية خاصة في سياق التحولات المجتمعية والرهانات الأمنية المتزايدة، إذ إن بناء مؤسسة أمنية قوية لا يمر فقط عبر التكوين والتجهيز، بل عبر بناء علاقة ثقة داخلية قائمة على الاحترام والإنصاف والتقدير. فالأمن، في بعده العميق، يبدأ من داخل المؤسسة قبل أن ينعكس على المجتمع.
إن الاستثمار الاجتماعي داخل المديرية العامة للأمن الوطني يشكل اليوم أحد مداخل تحديث العمل الأمني، ويعكس وعيًا متقدمًا بأن الرأسمال البشري هو الضامن الحقيقي لاستدامة الأمن، وأن الرعاية ليست كلفة إضافية، بل رافعة أساسية للنجاح المؤسسي.




