
بقلم: المسكين يوسف
يبدو أن مدينة فاس تعيش اليوم مفارقة سياسية وتدبيرية غريبة؛ فكلما ارتفعت وعود التنمية وتحديث المرافق، ارتفعت معها أيضاً كلفة الدراسات والاجتماعات والاتفاقيات، بينما تبقى مشاكل المدينة القديمة والجديدة على حالها، من الإنارة المهترئة إلى البنيات المتآكلة والأسواق غير المكتملة.
الجدل الأخير داخل مجلس جماعة فاس أعاد إلى الواجهة سؤالاً حساساً يتعلق بكيفية تدبير المال العام، خصوصاً حين تتحول المشاريع من أوراش للتنمية إلى أبواب مفتوحة لصرف الملايين في “إعادة دراسة ما تمت دراسته أصلاً”. فالمواطن الذي يعاني يومياً مع ضعف الخدمات لا تعنيه التعقيدات التقنية بقدر ما يعنيه سؤال بسيط: لماذا تُصرف الأموال على الورق أكثر مما تُصرف على الواقع؟
الانتقادات الموجهة لعمدة فاس عبد السلام البقالي لا تأتي فقط من خصوم سياسيين، بل تجد صداها أيضاً وسط جزء من الرأي العام المحلي الذي بات يشعر بأن المجلس يعيش حالة ارتباك في ترتيب الأولويات. فبدل تسريع إنجاز المشاريع المتعثرة، يظهر أن هناك ميلاً متزايداً نحو إعادة فتح الملفات نفسها، وإعادة إنتاج الدراسات، وإغراق المدينة في دوامة الإجراءات الإدارية التي تستهلك الزمن والميزانية معاً.
الأخطر من ذلك أن صورة المجلس بدأت ترتبط تدريجياً بفكرة “التدبير البيروقراطي المكلف”، حيث تتحول الجماعة إلى مؤسسة تدفع الملايين مقابل التخطيط، دون أن يلمس المواطن أثراً حقيقياً لهذا التخطيط في حياته اليومية. وهذه إحدى أخطر أزمات التدبير المحلي: حين يصبح الإنفاق على الوسائل أكبر من الإنفاق على النتائج.
كما أن استمرار التوتر داخل المجلس، والحديث المتكرر عن التهديد بالطرد وتقييد النقاش، يعطي انطباعاً بأن العمدة يواجه المعارضة بمنطق التحكم بدل الإقناع، وهو ما يزيد من تعميق الاحتقان السياسي داخل الجماعة، ويجعل دورات المجلس تتحول إلى ساحات صراع بدل أن تكون فضاءات لاتخاذ قرارات تنموية واضحة.
وفي مدينة بتاريخ فاس ورمزيتها، لا يكفي الحديث عن مشاريع مستقبلية أو شراكات جديدة، لأن الساكنة أصبحت تقيس النجاح بمعيار واحد: ما الذي تغير فعلاً؟ هل تحسنت الخدمات؟ هل تسارعت وتيرة الإنجاز؟ هل اختفت مظاهر التدهور التي أصبحت جزءاً من المشهد اليومي؟
حتى الآن، يبدو أن الأجوبة ما تزال معلقة، بينما تتوسع دائرة الانتقادات الموجهة لتدبير العمدة، وسط مخاوف من أن تتحول الولاية الحالية إلى مرحلة عنوانها الأبرز: كثرة الدراسات… وقلة الإنجازات.




