الهروب الكبير… البرنامج الانتخابي الوحيد الذي صدقه الشباب!

بينما كانت الدولة تطلق “عملية مرحبا 2026” لاستقبال أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج بكل مظاهر الحفاوة والتنظيم، كانت على الضفة الأخرى تنطلق، دون إعلان رسمي، “عملية بالسلامة 2026″، حيث يغادر آلاف الشباب المغاربة وطنهم جماعات، برا وبحرا، بحثا عن مستقبل لم يجدوه في بلدهم.
يا لها من مفارقة مؤلمة… في الوقت الذي تستقبل فيه الدولة أبناءها القادمين لقضاء العطلة، يفر أبناء آخرون من نفس الوطن، وكأن المغرب أصبح يعيش عمليتين متزامنتين: عملية مرحبا للعائدين، وعملية بالسلامة للهاربين.
يبدو أن هناك برنامجا انتخابيا واحدا نجح فعلا في إقناع الشباب… اسمه “الهجرة”.
لم يعد الشباب يحلم بسيارة أو شقة أو وظيفة، بل أصبح أقصى طموحه أن يضع قدمه في الضفة الأخرى، ولو كان الثمن أن يترك حياته معلقة بين موجة وأخرى.
يا لها من حصيلة عظيمة!
بعد خمس سنوات من الوعود، أصبح أكبر مشروع يجمع المغاربة ليس مصنعا ولا جامعة ولا منطقة صناعية، بل قوافل بشرية تبحث عن مخرج من الوطن.
قد يقولون إن الاقتصاد صامد، وإن المؤشرات إيجابية، وإن الإصلاحات مستمرة… لكن آلاف الأقدام التي اتجهت نحو سبتة كانت تصوت بلغة لا تحتاج إلى مترجم. فالشعارات تكتب في البلاغات، أما اليأس فيكتب بالأجساد وهي تركض نحو المجهول.
المفارقة الساخرة أن الحكومة تتباهى كل صيف بنجاح عملية مرحبا، بينما لا أحد يريد الحديث عن عملية بالسلامة التي يطلقها اليأس، حيث لا موانئ منظمة، ولا استقبال رسمي، ولا كاميرات تنقل صور النجاح… بل أمواج، وأسلاك شائكة، ووجوه شابة قررت أن تخاطر بكل شيء.
أي نجاح هذا الذي يجعل البحر يبدو أكثر رحمة من اليابسة؟
وأي دولة اجتماعية تلك التي تجعل أما تحمل طفلها، وشابا يحمل أحلامه، وأسرة تحمل ما تبقى من أملها، ثم تتجه جميعها نحو المجهول؟
ويا للمفارقة… بينما تقترب ولاية الحكومة من نهايتها، يبدو أن آلاف الشباب قرروا تنظيم أكبر “عملية بالسلامة” في آخر أيامها. وكأن المشهد يقول: انتهت الولاية… وبدأ الرحيل. تزامن قد يراه البعض مجرد صدفة، لكن صور الآلاف وهم يغادرون الوطن ستبقى، بالنسبة إلى كثيرين، آخر عنوان سياسي يختصر هذه المرحلة، وكأن ختام الولاية لم يكن مؤتمرا صحفيا ولا مهرجانا انتخابيا، بل طوابير طويلة تتجه نحو سبتة، معلنة نهاية فصل وبداية انتظار فصل آخر.





