المغرب

خبز يرمى… وموارد تهدر: حين يتحول القوت اليومي إلى أزمة صامتة

في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية على الأسر المغربية، تبرز مفارقة صادمة تتمثل في الكميات الهائلة من الخبز التي ينتهي بها المطاف في حاويات النفايات. ظاهرة لم تعد مجرد سلوك فردي عابر، بل تحولت إلى إشكال اقتصادي واجتماعي وأخلاقي يستدعي وقفة جادة وسياسات عمومية واضحة.
الخبز، الذي ظل لقرون رمزًا للعيش المشترك وقيمة حاضرة في الذاكرة الجماعية للمغاربة، أصبح اليوم من أكثر المواد الغذائية عرضة للهدر. هذا الواقع يعكس اختلالًا عميقًا في أنماط الاستهلاك، حيث يغلب منطق الوفرة غير المحسوبة على ثقافة التدبير الرشيد، سواء داخل المنازل أو في سلاسل الإنتاج والتوزيع.
ولا تتوقف خطورة هدر الخبز عند حدود التبذير الغذائي، بل تمتد إلى استنزاف الموارد العمومية، خاصة أن هذه المادة تحظى بدعم مباشر وغير مباشر من الدولة. فكل خبزة مهدورة تعني تبديدًا للدقيق والماء والطاقة واليد العاملة، في بلد يواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالأمن الغذائي وندرة الموارد المائية.
الأرقام المتداولة حول حجم الهدر تكشف عن واقع مقلق، ليس فقط من زاوية الكلفة المالية، بل من حيث ما تعكسه من خلل في الوعي الاستهلاكي. فالمشكل لا يكمن في القدرة على الإنتاج، بل في ضعف ثقافة التقدير والمسؤولية تجاه النعمة، وهي قيم طالما شكلت جزءًا من المنظومة الأخلاقية للمجتمع المغربي.
ومع اتساع رقعة الهدر، يطرح السؤال حول أدوار مختلف الفاعلين. فالمسؤولية لا تقع على عاتق الأسر وحدها، بل تشمل المخابز، والتجار، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، التي يفترض أن تضطلع بدور توعوي مستمر يعيد الاعتبار لقيمة الخبز ويشجع على سلوكيات أكثر عقلانية في الشراء والاستهلاك.
إن مواجهة هذه الظاهرة تقتضي الانتقال من خطاب التحسيس المناسباتي إلى برامج دائمة، تدمج التربية الغذائية في المدرسة، وتشجع على إنتاج الخبز بكميات وجودة تتلاءم مع الطلب الحقيقي، إلى جانب دعم المبادرات التي تعيد توجيه الفائض نحو الاستعمالات الممكنة بدل رميه.
هدر الخبز ليس مسألة هامشية، بل مرآة تعكس علاقتنا بالموارد وبمفهوم المسؤولية الجماعية. والتحدي اليوم لا يتمثل في إنتاج المزيد، بل في استهلاك أفضل، يحفظ التوازن بين حاجيات الحاضر وحقوق المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى