المغرب

بين وفرة الموارد وتعثر النتائج: أسئلة مشروعة حول نجاعة برامج التنمية الترابية


تُقدَّم برامج التنمية الترابية المندمجة في صيغتها الجديدة باعتبارها نقلة نوعية في تدبير الشأن المحلي، قائمة على ثلاث ركائز أساسية: الانطلاق من حاجيات المواطنين، توفر الموارد المالية، واعتماد حكامة متعددة المستويات يُفترض أنها تضمن النجاعة والشفافية. غير أن هذه الصورة المتكاملة، كما تُعرض في الخطاب الرسمي، تصطدم بسلسلة من المؤشرات الميدانية التي تطرح أسئلة عميقة حول مدى تحقق الأهداف المعلنة.
إذا كانت البرامج تُبنى فعلاً انطلاقًا من الحاجيات المعبر عنها محليًا، فكيف يمكن تفسير استمرار الفوارق المجالية بشكل لافت؟ لا تزال مناطق واسعة، خاصة في العالم القروي وبعض الهوامش الحضرية، تعاني من ضعف الولوج إلى الخدمات الأساسية، سواء تعلق الأمر بالصحة أو التعليم أو البنيات التحتية. وهو ما يوحي بأن آليات “الإنصات” والتشخيص، رغم أهميتها، لم تتحول بعد إلى أدوات فعالة لتوجيه السياسات العمومية بشكل دقيق ومنصف.
من جهة أخرى، يُطرح سؤال جوهري حول الموارد المالية. فالغلاف الاستثماري المعلن، والذي يصل إلى 210 ملايير درهم على مدى ثماني سنوات، يعكس التزامًا ماليًا مهمًا. لكن التجارب السابقة أظهرت أن الإشكال لا يكمن دائمًا في حجم الاعتمادات، بل في كيفية توجيهها، وسرعة تنفيذ المشاريع، وقدرة هذه الاستثمارات على إحداث أثر ملموس ومستدام. فكم من برنامج رُصدت له ميزانيات ضخمة، دون أن يترجم ذلك إلى تحسن فعلي في مؤشرات العيش اليومي للمواطنين؟
أما على مستوى الحكامة، فرغم تعدد مستويات التدبير (محلي، جهوي، ووطني) وما يرافقها من آليات للتنسيق والتتبع، فإن هذا التعقيد المؤسساتي قد يتحول، في بعض الحالات، إلى عائق أمام النجاعة بدل أن يكون ضمانة لها. إذ إن تداخل الاختصاصات، وبطء المساطر، وضعف المساءلة الفعلية، كلها عوامل قد تحدّ من فعالية البرامج، وتُفرغ مفهوم “ربط المسؤولية بالمحاسبة” من محتواه العملي.
ولا يمكن إغفال مسألة التشغيل، التي تظل أحد أبرز التحديات المطروحة. فإذا كانت هذه البرامج تهدف إلى تحفيز النمو وخلق فرص الشغل، فإن استمرار معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، يطرح تساؤلات حول طبيعة المشاريع المنجزة، ومدى قدرتها على توليد قيمة مضافة حقيقية في الاقتصاد المحلي، بدل الاكتفاء بمشاريع ظرفية أو ذات أثر محدود.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر بالتشكيك في أهمية هذه البرامج أو في النوايا التي تقف وراءها، بل بضرورة طرح نقاش عمومي صريح حول شروط نجاحها. فالتنمية الترابية لا تُقاس بعدد الاجتماعات أو بحجم الاستثمارات المعلنة، بل بمدى انعكاسها الفعلي على حياة المواطنين، وتقليصها للفوارق، وتحسينها لمؤشرات الكرامة والعدالة المجالية.
إن التحدي اليوم لا يكمن في إطلاق برامج جديدة بقدر ما يكمن في ضمان نجاعة تنفيذها، وتعزيز آليات التتبع والتقييم المستقل، وإرساء ثقافة محاسبة حقيقية تُعيد الثقة في السياسات العمومية. لأن السؤال الذي يطرحه المواطن يظل بسيطًا ومباشرًا: إذا كانت كل الشروط متوفرة، فلماذا لا تظهر النتائج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى