المغرب

أسامة باريك وتحالف اليسار.. من انتقاد نبيلة منيب إلى طاولة التفاوض، تقارب في الرؤية أم محاولة لجمع ما يمكن جمعه؟

تتجه الأنظار إلى طبيعة التواصل الجاري بين البرلماني أسامة باريك والأستاذة نبيلة منيب، في ظل حديث عن مفاوضات قد تفتح الباب أمام التحاقه بمجموعة تحالف اليسار داخل مجلس النواب، في تطور يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفيات هذا التقارب المحتمل، خصوصا أنه يأتي بعد انتقادات وجهتها منيب إلى باريك في وقت سابق. فهل نحن أمام مراجعة للمواقف واكتشاف لمساحات مشتركة، أم أن الأمر يدخل في إطار الحسابات البرلمانية ومحاولة توسيع المجموعة وجمع أكبر عدد ممكن من الأصوات؟

في السياسة، لا يشكل الانتقاد بالضرورة نهاية الطريق، كما أن الانتقال من الاختلاف إلى الحوار لا يعني دائما حصول تقارب حقيقي في الأفكار. فقد تفرض المرحلة الجديدة على الفاعلين السياسيين إعادة تقييم مواقعهم، والبحث عن نقاط التقاء تسمح لهم بتعزيز حضورهم داخل المؤسسة التشريعية، خصوصا عندما تكون موازين القوى قابلة للتغيير بفعل التحالفات والتفاهمات. غير أن ما يمنح حالة أسامة باريك ونبيلة منيب طابعها الخاص هو التوقيت؛ فبعد الانتقاد يأتي التواصل، وبعد الاختلاف يبرز النقاش حول إمكانية بناء علاقة سياسية جديدة، وهو ما يجعل المتابع أمام احتمالين: إما أن الطرفين وجدا أرضية مشتركة لم تكن واضحة من قبل، وإما أن ضرورات المرحلة بدأت تتقدم على الاعتبارات التي حكمت مواقفهما السابقة.

بالنسبة إلى تحالف اليسار، فإن استقطاب برلماني جديد قد يشكل مكسبا عدديا وسياسيا، لكنه لا يكتسب قيمته الحقيقية بمجرد إضافة مقعد إلى المجموعة، بل بمدى قدرة الوافد المحتمل على الانخراط في توجهاتها والدفاع عن اختياراتها داخل البرلمان. فالمجموعات البرلمانية لا تحتاج إلى الأرقام وحدها، وإنما تحتاج أيضا إلى الانسجام في المواقف والقدرة على بناء خطاب سياسي واضح، خصوصا في مرحلة يفترض أن تتحدد فيها طبيعة المعارضة وأولوياتها وأدواتها في مواجهة الحكومة.

وفي المقابل، فإن أسامة باريك ليس أقل حاجة إلى توضيح خلفيات هذا التقارب، إذا ما انتهت المفاوضات إلى اتفاق رسمي. فالالتحاق بمجموعة برلمانية جديدة يظل اختيارا سياسيا يستدعي تفسيره من خلال المواقف والبرامج، لا من خلال الحسابات العددية فقط. وإذا كان التقارب مبنيا على قناعات مشتركة بشأن القضايا الاجتماعية والاقتصادية أو طبيعة العمل المعارض، فإن ذلك سيمنحه معنى سياسيا يتجاوز مجرد تغيير الموقع داخل مجلس النواب. أما إذا لم تظهر أرضية واضحة تجمع الطرفين، فسيظل السؤال قائما حول ما إذا كانت المفاوضات تعكس تحولا في الرؤية أم مجرد تقاطع مؤقت للمصالح.

ولا يمكن إغفال المفارقة التي يصنعها الانتقال من الانتقاد إلى التواصل، لأن الجمهور الذي يتابع مواقف الفاعلين السياسيين ينتظر منهم قدرا من الوضوح والاتساق. فالاختلاف مشروع، والمراجعة السياسية ليست عيبا، لكنهما يحتاجان إلى تفسير مقنع عندما يتعلق الأمر ببناء تفاهمات جديدة. ومن حق الرأي العام أن يعرف ما الذي تغير: هل تغيرت مواقف أحد الطرفين، أم اكتشفا أن خلافاتهما لا تمنع التعاون، أم أن مقتضيات المرحلة فرضت فتح قنوات تفاوض لم تكن مطروحة من قبل؟

في النهاية، لا يكفي الحديث عن المفاوضات للقول إن أسامة باريك حسم أمره بالالتحاق بتحالف اليسار، كما لا يكفي الانتقاد السابق للحكم باستحالة التقارب بينه وبين نبيلة منيب. فالمؤكد، في حدود المعطيات المتداولة، أن المسألة تفتح نقاشا حول حدود التوافق السياسي داخل البرلمان الجديد، فيما يبقى الحسم رهينا بما ستسفر عنه الاتصالات من مواقف رسمية. وبين تقارب الرؤى ومحاولة جمع ما يمكن جمعه، سيظل الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان هذا التواصل سينتج مشروعا سياسيا واضحا، أم سيبقى مجرد حلقة أخرى في مسلسل إعادة ترتيب المواقع والحسابات داخل المؤسسة التشريعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى