المغرب

أباسكال يريد حل أزمة السكن بطرد المهاجرين.. تحويل الفشل السياسي إلى خطاب إقصائي

بقلم: المسكين يوسف

كلما عجزت بعض التيارات اليمينية المتطرفة عن تقديم حلول حقيقية للأزمات الاجتماعية والاقتصادية، سارعت إلى البحث عن فئة أضعف لتحميلها مسؤولية الاختلالات، وكأن تعقيدات الاقتصاد يمكن اختزالها في وجود أشخاص قدموا إلى البلاد بحثا عن العمل والأمان وفرصة للعيش الكريم. وهذا بالضبط ما يعكسه الخطاب المنسوب إلى سانتياغو أباسكال، زعيم حزب فوكس الإسباني اليميني المتطرف، بشأن أزمة السكن في إسبانيا.

فبدلا من تقديم تصور اقتصادي متكامل لمعالجة ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات، اختار أباسكال ربط الأزمة بالهجرة، وطرح فكرة طرد المهاجرين من البلاد، معتبرا أن ذلك سيؤدي إلى إفراغ عدد من المنازل وتسليمها للإسبان. وهو طرح يثير أسئلة جوهرية حول طبيعة الحلول التي تقدمها بعض التيارات الشعبوية، ومدى احترامها لحقوق الإنسان ولتعقيد الواقع الاقتصادي والاجتماعي.

إن اختزال أزمة السكن في وجود المهاجرين ليس تحليلا اقتصاديا، بل تبسيط سياسي مخل بقضية تتداخل فيها عوامل متعددة، من بينها محدودية العرض السكني في مناطق تعرف طلبا مرتفعا، وارتفاع تكاليف البناء والتمويل، والمضاربات العقارية، وتفاوت القدرة الشرائية، والاختلالات المرتبطة بتوزيع السكن بين المناطق والفئات الاجتماعية. وهذه المشكلات لا تختفي بمجرد ترحيل فئة من السكان، كما أن إخلاء المساكن من شاغليها لا يعني تلقائيا أن أسعارها ستصبح في متناول المواطنين الإسبان ذوي الدخل المحدود.

والأكثر إثارة للقلق أن يتحول الإنسان في هذا الخطاب إلى مجرد رقم في معادلة عقارية: إذا أردنا منازل أكثر للإسبان، فلنطرد المهاجرين. هنا لا يعود النقاش منصبا على السياسات العمومية، ولا على مسؤولية الدولة والسوق في توفير السكن اللائق، بل ينزلق إلى منطق إقصائي يجعل الحقوق الأساسية رهينة الأصل والجنسية، ويقدم الترحيل الجماعي باعتباره وصفة سحرية لحل أزمة معقدة.

فهل ستنخفض الإيجارات بالضرورة إذا جرى ترحيل المهاجرين؟ وهل ستصبح المنازل في متناول الأسر الإسبانية التي تعجز اليوم عن تحمل تكاليف السكن؟ ومن سيعالج الأسباب البنيوية للأزمة إذا اكتفى السياسيون بتوجيه الغضب الشعبي نحو فئة بعينها؟ إنها أسئلة تكشف محدودية هذا الطرح، لأن السياسة الجادة لا تكتفي بتحديد كبش فداء، بل تبحث في أسباب المشكلة وتضع حلولا قابلة للتنفيذ والقياس.

والأكثر تناقضا أن يأتي هذا الخطاب في بلد يشكل فيه العمال الأجانب جزءا مهما من القوى العاملة في قطاعات اقتصادية حيوية، من الفلاحة والبناء إلى السياحة والخدمات والرعاية. فالمهاجرون ليسوا كتلة بشرية منفصلة عن الاقتصاد الإسباني، بل يشاركون في إنتاج الثروة وتقديم الخدمات وتلبية حاجات سوق العمل، كما يساهمون في الاستهلاك وأداء الضرائب والاشتراكات الاجتماعية وفق أوضاعهم القانونية والمهنية.

ولا يعني ذلك أن الهجرة تخلو من تحديات تتطلب التدبير والتخطيط، أو أن أثرها الاقتصادي متطابق في جميع المناطق والقطاعات. لكن معالجة هذه التحديات تستدعي سياسات واقعية في التشغيل والسكن والخدمات العامة، لا خطابا يصور المهاجرين باعتبارهم سببا عاما لكل أزمة، ويتجاهل مساهمتهم في استمرار قطاعات واسعة من الاقتصاد.

إن إسبانيا التي استفادت من عمل أجيال من المهاجرين لا يمكنها أن تتعامل مع هؤلاء باعتبارهم قوة عمل مطلوبة عندما تحتاج إليهم، ثم تحوّلهم إلى متهمين جماعيين عندما تتفاقم مشكلات السكن أو تتراجع القدرة الشرائية. فالمبدأ الذي ينبغي أن يحكم السياسات العامة هو المساواة أمام القانون، وربط الحقوق والواجبات بالقواعد القانونية، لا تحويل الجنسية إلى معيار لتوزيع الكرامة الإنسانية.

أما استحضار هذا الخطاب في سياق التاريخ الإسباني، فإنه يعيد إلى الواجهة مخاوف مشروعة من عودة منطق الإقصاء القومي الذي ارتبط بمراحل مظلمة من تاريخ البلاد، ولا سيما إرث الفرانكوية بما حمله من نزعة سلطوية وقومية متشددة. غير أن التشابه في بعض الملامح الخطابية لا يكفي وحده لإثبات تطابق تاريخي أو أيديولوجي كامل؛ فالأدق هو مساءلة مضمون التصريحات وآثارها، ومدى ما تنطوي عليه من تمييز وتحريض على استهداف جماعة بأكملها.

ومن حق الإسبان أن يطالبوا بسياسات سكنية تضمن لهم العيش الكريم، ومن حق الأسر محدودة الدخل أن تنتقد ارتفاع الإيجارات وصعوبة الحصول على مسكن. لكن ليس من حق أي سياسي أن يستثمر هذه المعاناة لتبرير إقصاء جماعي، أو أن يوهم المواطنين بأن أزمة السكن ستنتهي بمجرد إبعاد المهاجرين.

الحل الحقيقي يمر عبر زيادة العرض السكني الميسر، وتطوير السكن الاجتماعي، ومواجهة المضاربات، وتحسين التخطيط العمراني، وتوفير شروط العمل اللائق، إلى جانب تدبير الهجرة بصورة قانونية ومسؤولة. أما تحويل المهاجر إلى خصم للمواطن الإسباني، فهو لا يحل الأزمة، بل يضيف إليها أزمة أخلاقية وسياسية جديدة.

إن أخطر ما في خطاب أباسكال ليس مجرد اقتراح الترحيل، بل تقديمه باعتباره حلا مباشرا لمشكلة لا يمكن حلها بهذه البساطة. فعندما يعجز السياسي عن إقناع الناس ببرنامج اقتصادي واضح، يصبح من السهل عليه أن يبيعهم وهما مريحا: مشكلاتكم سببها الآخرون، وحياتكم ستتحسن بمجرد التخلص منهم.

لكن المنازل لا تصبح ميسورة التكلفة بالشعارات، والاقتصاد لا يستقيم بإقصاء العمال، والعدالة الاجتماعية لا تتحقق بتقسيم المجتمع إلى مواطنين يستحقون الحقوق وآخرين ينبغي إبعادهم. والسياسي الذي يريد معالجة أزمة السكن عليه أن يواجه أسبابها الحقيقية، لا أن يبحث عن مهاجر يحمّله مسؤولية إخفاقات لا يستطيع تفسيرها أو معالجتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى